• الثلاثاء 04 ذي القعدة 1439هـ - 17 يوليو 2018م

رائعة دافيد في القاعة 9 باللوفر أبوظبي

«بونابرت» عابر جبال الخيال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 نوفمبر 2017

محمود عبد الله (أبوظبي)

في القاعة التاسعة باللوفر أبوظبي، ثمة عمل فني بديع من طراز التشكيل الفرنسي في نهاية القرن الـ18، للنحات والتشكيلي الفرنسي جاك لويد دافيد، بعنوان (نابليون بونابرت القنصل الأول، عابراً جبال الألب). وتم تنفيذ هذه الجدارية في 20 مايو 1800م، وهي مرسومة بعناية ودقة بالألوان الزيتية على قماش (الكانفاس)، من المقتنيات الأصلية للمتحف الوطني لقصر فرساي وتريانون.

قبل الحديث عن جماليات هذا العمل الفني الذي ينفرد به دافيد على مستوى استخدامات اللون، وضبط النِّسب، علينا التذكير بما تميزت به حقبة نهاية القرن الـ18، بظهور تيار (الكلاسيكية الحديثة)، وهي حركة فنية دعت لمناهضة العبث الفني الذي شهدته تلك الفترة، وحثت على العودة إلى تقاليد العصر الكلاسيكي القديم، وقد غذت هذه الحركة أفكار (عصر التنوير)، حيث تميزت الأعمال الفنية، ومنها هذه الجدارية بخيالها الجامح، بانسجامها المثالي للتعبير عن نوع من الجمال الأبدي والارتقاء بذوق المشاهد، وقد صوّرت الأعمال مشاهد وقادة عسكريين من أبطال العصور الماضية، لتسليط الضوء على التقاليد والقيم الأخلاقية، والتعبير عن أفكار جديدة حول الفرد والمجتمع والتاريخ والأحداث المرافقة لذلك.

وعلى الرغم مما يجاور هذه الجدارية الفخمة من أعمال فنية لكل من لويس الرابع عشر، والسادس عشر، وغيرهما من أباطرة وأمراء وأميرات البلاط الفرنسي آنذاك، إلا أنها كانت من أكثر الأعمال جذباً للجمهور من الفئات العمرية كافة، ليس لروعة إبداعها وتناغم ألوانها، وإنما لما يحف بصاحب الجدارية (نابليون) من أخبار وأحداث، كقائد عسكري، وشاعر رومانسي في الوقت ذاته، وما اعترى حياته من أسرار، وتناقضات قرأوا عنها في كتب التاريخ، وتلك النهاية المأساوية لقائد عسكري شغل العالم بشخصيته ومعاركه، حتى انتهى به الأمر منفياً في جزيرة سانت هيلانة، يعاني الوحدة والعزلة. لقد كان لافتاً أن تتوسط هذه الجدارية القاعة التاسعة، لتصبح ركناً خاصاً مقصوداً لمئات الزوار، الذين جعلوا منها خلفية لصورهم التذكارية.

بالعودة إلى فنيات (جدارية نابليون)، ندهش لتصوير جموح حركة الحصان، ونظرة فارسها العميقة المتأملة، مع تفصيلات دقيقة للأزياء وعناصر الفروسية العسكرية ونظام القبعات السائد في ذلك الزمن من حيث التكوين والألوان، مع الاهتمام بأدق تفاصيل التشريح لجسم الحصان المحلق في الفضاء في إطار أسطوري يكتسب أهمية بالغة بالنسبة للمُدرَك البصري لدى المشاهد، إلى غير ذلك من خلفية الجدارية الساحرة، وأرضيتها التي تنسجم بألوانها مع الهيكل العام للوحة.

لقد قدّم دافيد في عمله المدهش هذا تجديداً واضحاً في استخداماته لألوان الزيت الحارة، مع سيطرة البرتقاليات والأبيض الممتزج مع الأصفر القشي، وهو ما لم يكن سائداً بشكل قوي في عصره، وكأنه يرسم بهندسة معمارية تقوم على الفخامة والجمال والشاعرية في آن واحد. في التقدير العام يعتبر هذا العمل نوعياً من مدرسة الكلاسيكية الحديثة، وما يمتاز به من دقة في إظهار التفاصيل الدقيقة لعناصر اللوحة وملحقاتها من شخوص وأدوات، مما جعل هذا العمل ينطق بألوانه وأفكاره وموضوعه، فنابليون كقائد عسكري لم يكن رجلاً عادياً، في حياته وجولاته وحروبه وعشقه للفن والشعر والنساء، وأيضاً للزي الذي كان يرتديه بخصوصية لم تتحقق لقائد غيره.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا