• الثلاثاء 04 جمادى الآخرة 1439هـ - 20 فبراير 2018م

روضة الصائم

شهر القرآن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 19 يوليو 2013

د. محمد غيث

يقول الله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ». إن بين رمضان وبين القرآن ارتباطا وثيقا، فرمضان هو شهر القرآن، وفي هذا الشهر: ينادي المنادي «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبَلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ»، وأعظمُ الخير في رمضان: أن نشغلَ أوقاتنا بالقرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامة، يقول الصيامُ: أي ربِّ منعتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهار فَشَفِّعْني فيه، ويقولُ القرآنُ: ربِّ منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعني فيه، قال: فَيُشفَّعان».

فَلَيْلُ رمضانَ إنما يعمر بالقرآن، ولذلك كان جبريلُ عليه السلام يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم كلَّ ليلةٍ في رمضان يدارِسُهُ القرآن، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».

قال ابن رجبٍ رحمه الله: «دل الحديث على استحبابِ دراسة القرآن في رمضان، والاجتماعِ على ذلك، وعَرْضِ القرآن على من هو أحفظُ له، وقد شرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قيامَ الليل في رمضانَ جماعةً ليسمعَ الناسُ القرآنَ».

وكان القراء في زمن الصحابة يقرؤون بمئات الآيات في الركعة الواحدة، حتى كان الناس يعتمدون على العصي من طول القيام، وكانوا يقرؤون القصة من القرآن كلها قصرت أم طالت، وما كانوا ينصرفون إلا مع الفجر.

قال ابن رجب رحمه الله: «وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر.. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه.

وكان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه، وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره».

فرمضان شهر القرآن، والمؤمن يجتمع له في رمضان جهادان: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام وتلاوة القرآن، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفي أجره بغير حساب، فيا باغي الخير أقبل فهذا زمانك، ويا باغي الشر أقصر وانظر ما أمامك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا