• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

تمثال برأسين من أقدم إبداعات البشرية

الأسطورة تحفر حضورها في الصخر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 15 نوفمبر 2017

أبوظبي (الاتحاد)

في القاعة الموسومة بـ «القرى الأولى» في اللوفر أبوظبي، ثمة سلسلة من الأعمال الفنية كبيرة الحجم، وعلى الرغم من تنوعها وبخاصة المنحوتات من الحضارات القديمة، إلا أنها تستكمل بعضها البعض، بل وتتفاعل معا وتتناغم، من حيث المحتوى العام، وطريقة الإبداع واستخدام المواد، والنظرة الفلسفية إلى المعتقدات والحياة آنذاك. لكن أهم ما بدا لي في هذه القاعة التي روعي في تنسيقها التوزيع المدروس للمجموعات النحتية التي تبدو مترابطة ومتماسكة، بحيث تنسجم القطع الكبيرة مع المتوسطة والصغيرة، ولعل هذا ما جعل محتويات هذه القاعة محط أنظار عدد كبير من المهتمين، والباحثين عن الفريد والنوعي، ومن ذلك، هذا التمثال الضخم ذو الرأسين، وموطنه منطقة عين غزال في الأردن، ويرجع تاريخه إلى نحو 6500 ق. م.

يعتبر هذا التمثال النصفي ذو الوجهين المشغول من مادة الجصّ الخالص، وبحسب المنشور المرفق به بعدة لغات، من أقدم التماثيل الأثرية الضخمة في تاريخ البشرية، وسواء كان الوجهان يجسدان شخصيات من الأسلاف أو من الآلهة (كما كان يعتقد في ذلك العصر) فإن هذا التمثال البديع في تكوينه، يرمز إلى المعتقدات الدينية والفلسفية والأسطورية، التي كانت منتشرة في قرية عين غزال إبان العصر الحجري. لكن النظر إليه من زاوية فنية بحتة، يدفع إلى الإعجاب في دقة النحت والبروزات والنتوءات التي تمنح البعد الإنساني في أجلى صوره وحالاته، بحيث تبدو مهارة الصانع أو النحات في رسم أدق التفاصيل وبأدوات بسيطة، تعكس مدى أهمية التأريخ للأحداث في ذلك الوقت من خلال العمل الفني، الذي بث الحيوية في شخصيتي التمثال، وكأنهما في الضمني يتحاوران أو يتأملان شيئاً ذات صلة بالمكان أو البيئة.

إذا تمعنت في هذا العمل النحتي المبهر لابد أن تكتشف الكثير من الجهد والخيال، في استثمار مادة الجص وتشكيلها في قالب فني وإطار يستلهم منها ترتيب وتناغم الأعضاء البشرية، حتى لتكاد لو اقتربت أكثر من المنحوتة، ستجد بعض التفاصيل التي تكشف أن دورة الحياة وكأنها لا زالت تفعل فعلها في وجوه الشخصيات التي تتجه نحو حياة الشيخوخة، كما هي في الحقيقة فعلا، ونعتبر أن هذا هو أهم ما في هذا التشكيل النحتي الذي حظي بآلاف الصور تم التقاطها له من جانب زوار القاعة.

في التفاصيل الدقيقة يمكنك اكتشاف العديد من الرموز والزخارف الخفيفة التي تحف بمنحوتة التمثال النصفي، كما تجد عديد العناصر المتداخلة في الوجوه والأجساد، والتركيبة العامة للعمل الذي يملك أيضاً مواصفات الفن التعبيري، ولكن بتلقائية وفطرة النحات القديم، حتى ظلت ألوانه ما بين الأبيض والأصفر القشي، محافظة على رونقها، فيما وكما بدا لنا أن صانع التمثال، قد مال في رمزيته في بناء الهيكل العام إلى التقشف والزهد في تأكيد ملامح البهجة في وجهي شخصيتي التمثال.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا