• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م

مقاييس الخط اللعربي تشبه مقاييس امرأة الخيال المحلوم بها

الحروفيات.. من الدين إلى الدنيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يوليو 2013

جهاد هديب

ذكر النويري في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب»: سئل بعض الكتّاب عن الخطّ، متى يستحق الخط أن يوصف بالجودة، قال: «إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه، وصغرت نواجذه، وانفتحت محاجره، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، وخُيِّلَ إليه أنه يتحرك وهو ساكن».

تشبه تلك المقاييس في جماليات الخطّ، تلك المقاييس التي يذكرها الخيال في صفة امرأة محلوم بها، إذ يكون الجسد هو محفّز هذه المخيِّلة ؛ أو كأن واحدا من قدامى الشعراء قد وقف بأطلال ثم أخذ يتذكر. والأمر هنا يتصل بالحدود الخارجية للخط العربي هي التي أول ما يتبدّى منه للعين فترى وتُسرّ. غير أن الربط هنا بين جماليات الخط وجماليات الجسد البشري يجيء اعتباطيا من باب أن شيئا ما يذكّر المرء بشيء. وما من اتفاق بينهما ـ أي جماليات الخط العربي وجمالية المرأة كما وردت صورتها في الشعر العربي الكلاسيكي ـ سوى أن الأولى تجد معاولا موضوعيا روحيا لها صافيا وأبديا ومُتّفقٌ عليها، بينما جماليات المرأة هي حسية تماما لذلك فهي قابلة للتقادم عليها، ولذلك أيضا يمتزج فيها عناصر من الواقع بأخرى من المخيلة ومُختَلَفٌ في شأنها.

شرط خاص

بعيدا عن ذلك، فإن السؤال هو: ما الذي منح الخط العربي تلك الجماليات التي ارتقت به إلى هذه المنزلة؟ ما الذي جعله أخّاذا إلى هذا حدّ أنه يُعتبر أحد أرقى الفنون التي تحظى بمكانة خاصة في وجدان الثقافة العربية والإسلامية؟ وكي ينأى المر عن أي ظلال لمعنى السؤال فإن من الممكن طرحه على النحو التالي: ما الذي جعل الخط العربي فنا يمتلك شرطه الخاص بوصفه فنا حديثا أيضا وليس فنا موروثا فحسب؟ منذ أن عرفت الثقافة العربية والإسلامية اللوحة المعاصرة، أي ما يُعرف لدى البعض من أهل النقد الفن التشكيلي باللوحة المسندية أم قبل ذلك بكثير حين دخل الخط العربي عنصرا تزيينيا إلى العمارة والزخرفة الإسلاميين فكان الجامع بينهما هو برموزه ودلالاته.

الأرجح أنه لا هذا ولا ذاك، بل إن الخط العربي بدأ فنا منذ أقدم المخطوطات، منذ تلك الرسائل التي كُتبت بخط عربي وأُرسلت إلى سائر كبار ملوك الأرض ليهتدوا إلى الدين الإسلامي مع انطلاقة الشرارة الأولى للحضارة العربية والإسلامية في المنطقة والعالم. ثم بعد ذلك مع جمع القرآن الكريم وتدوين السنة النبوية بعد ذلك.

هناك العديد من هذه الوثائق ما زال مُحتفظا به، إلا انها في أصلها تسع كالتالي: المقوقس حاكم مصر وهرقل عظيم الروم وكسرى ملك فارس والمنذر بن ساوى أمير البحرين وهوذة الحنفي أمير اليمامة وملكا عمان والحارث الحميري حاكم اليمن والحارث الغساني أمير الغساسنة والنجاشي ملك الحبشة. بحسب ما اتفقت عليه المصادر التاريخية. لكن المؤسف ها هنا أن من غير الممكن الوثوق بالصور الفيلمية وغير الفيلمية الموجودة في بطون الكتب أو المنتشرة في المواقع الالكترونية إلى حدّ تتعذر معه أية محاولة في مناقشة واستخلاص أي عنصر جمالي من وجهة نظر نقدية تفحص هذه الخطوط في سياق مقارَن مع مخطوطات أخرى حديثة وتنتمي إلى مراحل أكثر تطورا في فن الخط العربي. أما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن فهو أن الرسائل تنتمي إلى النماذج الأولى التي بدأ فيها فن الخط العربي يتلمس طريقه إلى أن يكون فنا مكتملا وناجزا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا