• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

في مونولوج روائي مرتفع النبرة

تشيكو بواركيه يرصد الذاكرة البرازيلية في «الحليب المسكوب»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 02 يناير 2013

مريم جمعة فرج (دبي)- يقول “لاري روهتر” المحرر الثقافي لدى صحيفة نيويورك تايمز، عن الروائي والمؤلف الموسيقي البرازيلي “تشيكو بواركيه”: رغم أن أسلوب بواركيه كمؤلف ينطوي على اختلاف واضح في التعامل مع كل من كتابة الأغنية وكتابة الرواية، إلا أنه استطاع أن يحقق الشهرة في كلا المجالين”.

وفي السياق ذاته تندرج روايته الرابعة “الحليب المسكوب” التي صدرت ترجمتها الإنجليزية في ديسمبر الفائت، لتصبح بذلك ثاني أعمال بواركيه، التي تنقلها من البرتغالية إلى الإنجليزية المترجمة “أليسون إنتريكن” بعد ترجمتها روايته “بودابست”2003. في الغرب، وكما يصفها روهتر وآخرون، فإن أعمال هذا الكاتب، تدير رأسك بكلماتها المسكونة بإيقاعات السامبا والبوسانوفا من جهة، وتصدمك بفعل المتناقضات التي ينطوي عليها تاريخ البرازيل، تلك التي تجعله شبيها وغير شبيه بغيره، من جهة أخرى.

الرواية

في “الحليب المسكوب”، يعول الكاتب على ذاكرة بطله “أولاليو دو أسومبساو” وهو رجل يتجاوز عمره المائة بخمسين عاما. وكما نستشف، فهو من حيث المبدأ يثق بها إلى أبعد الحدود. وبالمقابل فإن تلك الذاكرة لا تخونه ولا تخون صاحبها عن قصد. بل تتدفق من داخله طيعة، دون أدنى شعور بالحرج، تغلفها تجربة لا تضاهى في الحياة لا يعرف جيداً إن كانت كلها حقيقية أم لا، إلا أنها تشد الكثيرين ممن يطربون إلى الاستماع إلى مثل هذا المونولوج المرتفع الصادر من أعماقه. كثيرون يتواجدون بالقرب منه، في ردهات إحدى دور المسنين المتواضعة. وبين هؤلاء ابنته والعاملون الذين يقومون برعايته، وكل من يتناهى إلى سمعه، ربما آخر ما يدلي به إنسان مشرف على الموت، فيما تعلو نبرة صوته في أغلبها باحتقار كل هؤلاء، وسط هنات وتراجع طفيف في القدرة على استرجاع بعض الأحداث.

يرتكز بطل بواركيه المؤمن بتفوقه العنصري والاجتماعي والثقافي، على الرغم من هشاشته، وصورته الكاريكاتورية التي يرسمها لنا مؤلفه- حين يوحي لنا بأنه رجل فقير مدع، يعيش بين سكان إحدى مدن الأكواخ والصفيح- يرتكز على تفاصيل يعتبر أنها الأجدر بأن نوليها الاهتمام. فهو الارستقراطي المحتد، قدم أسلافه من البرتغال، وكان يعيش مع عائلته المكونة من أبيه السيناتور وأمه السيدة الأنيقة، التي كانت تهتم بالسفر إلى أوروبا في كل موسم للإطلاع على آخر التطورات في الموضة، كان يعيش في أحد قصور “ريودي جانيرو” حيث تربى. أما جده فهو كما يقول لهؤلاء الذين يسمعونه “لابد وأن الكثيرين منكم، هذا إن لم تكونوا كلكم، من العبيد، وهو ما يدعوني لأن أقول بفخر، بأن جدي كان من أشهر المحسنين الواهبين الخيرات للزنوج من أمثالكم. ولتعلموا أيضا، أنه زار إفريقيا في حوالي عام 1800، وكان يحلم بتأسيس عالم جديد آخر لأجدادكم”. كل هذه التفاصيل تتأرجح جيئة وذهابا لدى بواركيه، حسب صيغة المتكلم وصيغة المخاطب.

إن “أولاليو”، ومن جانب لا يقل أهمية بل ينضح بالثقافة الذكورية، كان قد أقدم على الزواج من “ماتيلد” على الرغم من خلاسيتها، لأنه لم يستطع مقاومة إغرائها عندما نظر إليها أثناء مراسم الاحتفاء بذكرى رحيل أبيه. إلا أن صورة هذه المرأة تأتي باهتة في نهاية الأمر، بحيث لا يعرف المستمع أو القارئ، ما إن كانت في الأساس ابنة أحد زملاء أبيه، أم تلك الفتاة التي تربت في كنف العائلة كما لو أنها إحدى بناتها، أم أنها هربت مع شخص آخر أوماتت أو أودعت مصحة للأمراض العقلية، فشعر بالحزن لغيابها، على الرغم من أنه كما ينوه، لم يكن من المعجبين بذوقها في اختيارها لملابسها أو حتى الموسيقى التي كانت تستمع إليها. كما أن مما يعرفه جيدا عن نفسه، هو أن ذلك النفوذ وتلك المكانة التي اكتسبتها عائلته ما كان لها أن تفقدهما. وأن ذلك السقوط الذي تعرضت له، ما كان له أن يحدث، لولا جملة الأوضاع الاقتصادية والتاريخية التي تعرضت لها البرازيل، على مدى تاريخها الطويل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا