• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

اللوفر أبوظبي.. شرق أقل غموضاً

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 11 نوفمبر 2017

محمد خليفة المبارك *

يعتبر جان نوفيل، بأن متحف اللوفر أبوظبي «مدينة عربية مكرسة للفنون وسط علاقات متنامية من الضوء والماء»، في توصيف شاعري ربما للتصميم المذهل الذي وضعه للمتحف العائم على ساحل جزيرة السعديات الخلابة في العاصمة، لكنه توصيف دقيق للدور المرتقب لهذا المتحف الفريد من نوعه في منطقة ما زالت تعاني من تأثيرات الصراعات الإقليمية.

لا أبالغ بالقول إن اللوفر أبوظبي يعد متحفاً فريداً من نوعه، فقد ابتكر أسلوب سرده فيما يشبه الكتاب المفتوح، حيث تتوالى في فصوله الاثني عشر كل الحضارات الإنسانية وفق تسلسل تاريخي يكشف تزامن مختلف التأثيرات فيها، في دلالة على ترابط الثقافات بشكل أو آخر واشتراكها في العديد من القيم الجوهرية، في أسلوب متحفي جديد، يلغي الفروقات والتباينات التي كانت سبباً في تشرذم الإنسانية عبر حروبها وصراعاتها المتكررة، بالتركيز على الفنون التي نتجت وبقيت عن هذه الحضارات، بينما أصبحت تلك الصراعات الناتجة عن الكراهية مثل خدوش باهتة في الذاكرة الإنسانية، أوعلامات على بؤس خيار القسوة عبر الزمن.

إن تأسيس متحف على نمط اللوفر أبوظبي وسط المنطقة العربية، ومن وحي المقومات الثقافية المحلية، يحمل أبعاداً كثيرة، ورسائل مهمة للعالم بأسره. إذ يعيد اللوفر أبوظبي تجسيد القواسم المشتركة في التجربة الإنسانية على تنوعها، ويفتح الحوار بين الثقافات من خلال روائعها التي تزخر تحت قبة «شعاع النور» في خطوة لتصحيح الفهم الخاطئ عن بعض الثقافات، تحت وطأة الصور النمطية والأحكام المسبقة وقلة المعلومات.

ضمن هذا السياق، يظهر الشرق ومن خلال مقتنيات اللوفر أبوظبي بغموض أقل وواقعية أكثر، بخلاف النظرة الرومانسية التي عكسها بعض المستشرقين، والتي بالغت بتقديم صورة غير دقيقة عن مدن الشرق، وكان ذلك نتيجة تأثيرات مختلفة، منها التأثر ببعض المرويات الخيالية وسوء الترجمة وعدم الحياد وغيرها من عوامل. فمن دواعي السرور والفخر أن مجموعة من صور المستشرقين التاريخية أصبحت من مقتنيات اللوفر أبوظبي، والتي تعرض خارج السياق السياسي، لتعطي عمقاً اجتماعياً لطبيعة الحياة في القرن التاسع عشر، حيث كان التصوير الفوتوغرافي نادراً في المنطقة. ربما تأتي في مقدمة تلك الصور الفوتوغرافية «عيوشة» التي التقطها المصور الفرنسي جوزيف فيليبير جيرولد دي برانجي في القاهرة عام 1843، والتي قد تكون أقدم تصوير فوتوغرافي معروف لامرأة محجبة، إذ تبدو الشابة غير المعروفة الهوية في الصورة دليل على زمنها الذي لم يحظ بالكثير من الصور للنساء.

وتضم المجموعة أيضاً صورتي «الباشا والبدوي» و«سقاءة نوبية» للمصور البريطاني روجي فانتون، والتي انجزها عام 1858 في لندن، والتي تعد تصوراً خيالياً للشرق بالاعتماد على الرؤى السائدة في عصره عن الشرق بالاستناد إلى قصص ألف ليلة وليلة التي لا تزال مصدر دهشة للغرب، ورغم أن الصورتين تعدان نموذجاً تمثيلياً للواقع إلا أنها غذت تعطش الجمهور البريطاني لرؤية الشرق وإنْ كان متخيلاً.

من بين نوادر الصور الفوتوغرافية من الشرق، يعرض متحف اللوفر أبوظبي مجموعة صور نادرة للغاية للتاجر الألماني أرنست بينيت الذي مارس التصوير في مصر في سنوات 1850 وأصبحت اليوم من الشواهد الواقعية على الحياة عندها، إذ تظهر ملامح الشارع العام بوضوح بما فيها وجوه الأهالي في معيشتهم البسيطة. وتتكامل مجموعة الشرق النادرة في المتحف مع عرض صور قيمة لقلعة الحصن في سوريا التقطها لوي دي كليرك عام 1859 .

إن أسلوب السرد المتحفي للوفر أبوظبي يتيح تتبع تأثيرات الثقافات بعضها على بعض، لا سيما الفنون التي باتت عابرة للحدود، فمثلًا نشأ شغف بفنون الإسلام في أوروبا، فقدم العديد من الفنانين والمصممين في القرن التاسع عشر تحفاً فنية تحاكي الأنماط الإسلامية، ومنهم من ابتكر أنماطاً خاصة مثل الخزاف الفرنسي ثيودور ديك الذي ابتكر أنواعاً من المينا الملونة، والتي تسمي «الفارسية» وأعاد اكتشاف مبادئ الخزف الإسباني المورسكي ببريقه المعدني المميز، وكذلك الزجّاج الفرنسي الشهير فيليب جوزيف بروكار الذي طور تقنيات خاصة لزخرفة مصابيح المساجد بعد دراسة الأساليب التي كانت سائدة في المساجد السورية والمصرية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وظهرت تأثيرات مماثلة في أعمال كل من الفرنسي ألبيرت فولب والبريطاني وليم دي مورغان.

ومن حسن الحظ أن متحف اللوفر أبوظبي يحتوي مجموعات من هذه الأعمال المبهرة، والتي تخطت الحدود الجغرافية والفوارق السياسية التي طالما قسمت العالم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا