• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

تأملات

سدنة العدالة الناجزة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 فبراير 2017

د. عماد الدين حسين

مَن يَخُض غمار ومدارات القضايا المدنية والتجارية والجنائية وغيرها من المنازعات الشائكة، يدرك تكاملية منظومة قضائية مستقلة سنامها قاضٍ عادل يُفعّل كلّ ما يملك من أدوات قانونية ومعرفية وحججٍ منطقية، مستحضراً القرائن والأدلة الثبوتية الرصينة وخبراته التراكمية، ليصل إلى منطوق الحكم المبين بين المتقاضين بميزان القسط وما استقر في أعماق الضمير.

وبالتساوي.. فوراء كل دعوى تحكيمية بين المتنازعين، ستجد هيئة تحكيم مؤهّلة أو محكّماً منفرداً ومتفرّداً يقود الدفّة التحكيمية بمهارة قبطان سفينةٍ حاذق وفق اعتبارات شكلية وإجرائية واتفاقية تحيطها أحياناً رياح عاتية، بعضها متوقّع، والبعض الآخر يفتعلها أطراف الخصومة ضمن سجالهم التبادلي ليكونوا أقرب للفوز والغنيمة منه للحق والإنصاف، وصولاً إلى العدل المحتكم إلى الحيدة والاستقلالية، ليترجم إرادة أطراف النزاع إلى حكم بات لا يحتمل من الحقيقة سوى وجهها الشفاف وجوهرها الناصع.

في القول المأثور «القَاضِي الحَقّ مَنْ اِتَسَعَ صَدرُهُ لِمَا ضَاقتْ به صُدُورُ النَاسْ ، وضاقت ذِمَّتَهُ عَمَا اِتَسَعَتْ لَهُ ذِمَمُ النَاسْ »، وفي عوالم القضاء والتحكيم لا يعلم وعثاء الدروب وتعدّد الخطوب وتجهّم الأخطار ومشقّة القولُ الفصل وجَهد القضاة والمحكّمين سوى من امتطى صهوة الرحلة وخاض غمار الطلبات والدفوع والإثبات والنفي، مدّعين أو مدّعى عليهم، محتكمين أو محتكماً ضدهم، ناهيك عن حتمية الاطلاع والتدقيق والتنقيب بين جبال من المستندات، إضافة إلى آراء الخبراء والفقهاء وشهادة الشهود وما يتبعها من تقارير الخبرة، ومذكّرات جوابية وتعقيبية وأحكام ابتدائية واستئنافية واجتهادات استرشادية، مروراً بما يتطلبه النزاع من تدابير مؤقتة أو تحفظية، ليُجدف القاضي والمحكم بين ضفاف الإجراءات والأطراف حضورياً ومستندياً في إطارٍ محكوم بالوقت والإنجاز، سالكاً طريقه الشائك نحو الهدف الأسمى: عدل غير منقوص أو مشوب بأيّ عيب من العيوب.

ورغم علنية القضاء وسرية التحكيم، فإنّ مخافة الله نصب أعينهم، والصمت الأمين حليفهم، والتحمّل رفيقهم، والتأنّي المقنّن ديدنهم، وقدسية الرسالة بوصلتهم، ويمين القسم حاضرهم، والإتقان والحكمة والإبصار خصالهم، وإحقاق الحق نهجهم قُضاةً ومحكمين، لأنهم خليفة «الحَكَم العَدْل» في أرضه اختصّهم بأسمى المراتب وأرفعها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا