• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أوسكار وايلد وريلكه ومارينا تسفيتاييفا

السّادرون إلى المطلق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 فبراير 2016

أميلي نوف إيجليز

ترجمة - أحمد حميدة

أوسكار وايلد.. شريعة الجمال

كان أوسكار وايلد كاتباً وشاعراً ومدافعاً متّقداً عن الجماليّة، وقد جعل من الجمال غاية قصوى لحياة ينبغي لها أن تكون مسخّرة بأجمعها لإدراك مكامنه. وينبغي لمتذوّق الجمال، حسب أوسكار وايلد، أن يحيط نفسه بكائنات وبأشياء جميلة، مع الحرص على أن تكون كلّ حركاته، وفي كلّ المواقف.. أنيقة، كي يضفي على حياته الكئيبة ألف بريق وبريق، ويحيلها بالتّالي إلى عمل فنّي. ومثل ذلك التشوّف لحالة الكمال الجمالي، وللوقوف على حقيقة كينونته، لا خيار فيه أمام الإنسان غير العودة إلى ما يتخفّى بداخله من أسرار، وعدم الارتهان إلى المجتمع الذي قد يسلبه أناه الحميميّة. كما يرى أوسكار وايلد أنّ كل تمشّي أو سلوك يساعد المرء على اكتشاف جوهر كينونته، هو أمر إيجابيّ في حدّ ذاته، فيما يلعب العقل -كما الأخلاق- دوراً مانعاً يحول دون انكشاف الحقيقة الأصليّة لكلّ واحد منّا. وأخيرا فإنّ هذا البحث الجمالي الذي يستهدف تزكية الذّات، سوف يتّخذ أشكالاً عدّة تبعاً للطّبيعة الجوهريّة لكلّ واحد منّا. وقد باتت حياة التأنّق والرّفاه التي عاشها أوسكار وايلد، تجسيداً حيّاً لتلك الفلسفة الجديدة القائمة على التّجميل الأقصى لكلّ مظاهر الحياة.

غير أنّه من السّهل جدّاً أن نتبيّن الخطر الناجم عن تلك النّزعة الجامحة إلى المتعة واللذّة، التي لا يكون فيها الجمال الجسماني المنشود بالضّرورة مرادفاً لجمال أخلاقي. لذا.. فإنّ هذا التصوّر للجمال يظلّ بالأساس سطحيّاً وجسديّاً، ولا يساعد على تزكية نفس الإنسان. وفضلاً عن ذلك.. فإنّ تلك الفردانيّة الجموحة، وفق تصوّر وايلد، تغدو فيها الأنا ونماؤها مثلاً عليا، يتجاهل البعد الاجتماعي للإنسان، كما أنّها لا تثمّن قيمة الآخر إلاّ على ضوء مظهره الخارجي. وبالنّتيجة.. يرتفع أكثر من سؤال: هل يبرّر جمال كائن ما أن تكون له نفْسٌ ذميمة؟ ألا تصبح الأخلاق في هذه الحالة معرّضة لخطر التحلّل في تعرّجات جماليّة منحرفة وفاسدة؟

لكلّ هذه الاعتبارات يرى تودوروف في جماليّة وايلد «برنامجاً غير مكتمل»، إذ هي تتغافل عن أهميّة الآخر بكونه إنساناً.. يساهم في تحقيق ذواتنا وتناغمنا الدّاخلي. فيغدو الآخرون وفق تصوّره.. لا يعشقون لذواتهم، وإنّما يتحوّلون إلى محمل فنيّ، وتجسيداً لشكل ما من الجمال. فـ «جماليّ» أوسكار وايلد، وبمعزل عن الآخرين، لا يمكن أن ينتهي لغير عبثيّة الوعي والأخلاق. غير أنّ أوسكار وايلد في مسيرة حياته انتهى إلى تَنْسِيبِ ما كان يشكّل مَثَلَهُ الأعلى في الحياة. مربك بإقامته في السّجن، فقد وايلد القدرة على الكتابة وبهجة الحياة التي كان يدعو إليها، وفي عزلة زنزانته، اكتشف بشكل موجع حاجة الإنسان الماسّة إلى أن يكون موصولاً ببني جنسه، وحاجته الملحّة إلى محبّتهم، كما سيتبيّن ذلك في الحماسة المثيرة لعلاقته باللّورد الانجليزيّ الشابّ بوزي. وبيّنت تلك المشاعر التي لا مفرّ منها لوايلد، استحالة أن نجعل من الجمال والأنا القيم الأرفع في الحياة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف