• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

آيات ومواقف

حكمة الاستئذان قبل دخول البيوت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 10 نوفمبر 2017

أدب يرجع بالستر إلى بني آدم

أحمد محمد (القاهرة)

امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب، فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا...)، «سورة النور: الآية 27».

قال الإمام القرطبي، لما خصص الله سبحانه ابن آدم الذي كرمه وفضله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها من غير إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطلع أحد منهم على عورة، وقد مد الله التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس، وهو الاستئذان، وقيل إن معنى تستأنسوا تستعلموا، أي تستعلموا من في البيت، بالتنحنح، أو بأي وجه أمكن، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به، ويدخل إثر ذلك.

والسنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا بأس أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل: السلام عليكم أأدخل، فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً، ثم ينصرف من بعد الثلاث، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع»، ولكل قوم في الاستئذان عُرفهم في العبارة.

وهذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي تسكنه، فإن كان فيه أهلك فلا إذن عليها، إلا أنك تسلم إذا دخلت، قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، فإن كان فيه معك أمك، أو أختك: تنحنح، واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك، لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها، وأما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها، قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إني أخدمها؟ قال: استأذن عليها فعاوده ثلاثاً، قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها».

قال الإمام الشوكاني في «فتح القدير»، لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت بغير استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين، والإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يحب أن يراه عليها غيره، فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير حتى تستأنسوا، والاستئناس الاستعلام والاستخبار، وتعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم.

قال الإمام القاسمي، «الاستئناس» هو الاستعلام، أو المعنى: حتى يؤذن لكم فتستأنسوا، من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش، وتسلموا على أهلها ليؤمنهم عما يوحشهم، فالاستئذان والتسليم خير لكم من الدخول بغتة، لعلكم تذكرون فتتعظوا وتعملوا بموجبه، فإن لم تجدوا فيها أحداً، فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم.

قال الزمخشري: وذلك لأن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الداخل على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا