• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

أضواء على كردستان (1-3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 نوفمبر 2017

لا بد لكل القوى الفاعلة على الساحة الكردية أن تتحمل مسؤوليتها السياسية والتاريخية لما حدث في كردستان قبل وخلال وبعد عملية الاستفتاء على الاستقلال، ويبقى الطرف البريء والوحيد وصاحب المصداقية هو الشعب الكردي، حيث سيبقى طويلاً في الذاكرة المشهد الحضاري الذي قدمه للعالم من خلال رغبته الجارفة والحقيقية في تقرير مصيره، فهو لم يذهب إلى الاستفتاء مدفوعاً من قبل أحزاب أو قيادات أو لأجل مصالح وأجندات، ولكنه عبر عن أمل طال انتظاره وحلم كان ولا يزال يرجو تحقيقه، بطرق سلمية متحضرة، فالشعوب ليس يعنيها تضارب مصالح الساسة والسياسة، فهذه لعبة ومستنقع هم عنه بعيدون، بل هي تعبر عن نفسها بعفوية وقوة، وهو ما حصل، والذي يذكرنا بالمشهد العظيم للشعب المصري، حين خرج بالملايين في ثورته التي أبهرت العالم ضد هيمنة حكم الإخوان المسلمين.

وكما عبَّرَ الشعب الكردي عن فرحته العظيمة وبأشكال أعطت للفرح والسعادة والغبطة معاني ومظاهر ملونة أذهلت العالم، فذلك الشعب العظيم من حقه أن يعبر عن مدى حزنه وألمه وبعمق من واقع الصدمة التي تلقاها على غير توقع، الكرد كلهم دون استثناء الذين يعيشون داخل الوطن والمغتربون منهم خارج الأوطان، كان وقع الصدمة والذهول والحزن كبيراً على وجوههم من خلال دموعهم وصمتهم وغضبهم أكبر وأكثر عمقاً من أن يوصف.

يذهب الكثير من المحليين دولياً وإقليمياً إلى أن استفتاء إقليم كردستان الذي جرى في 25 سبتمبر 2017 كان مغامرة غير محسوبة من نواح عديدة، منها التوقيت والظرف التاريخي والمتغيرات الدولية والإقليمية والفوضى الضاربة في المنطقة، من خلال كثرة اللاعبين الفاعلين فيها وتشابك مصالحهم وازدواجية مواقفهم، وتضارب أهدافهم وتقاطع سياساتهم في التعاطي معها في عدد من البلاد العربية القريبة بما فيها العراق، يضاف إليها عامل أكثر أهمية وأكبر خطورة، وهو رفض دول الجوار لمثل هذه الخطوة وما تحمله من مخاطر انتقال رياح التغيير اليهم، وبما لا يتناسب مع أمنهم الوطني وكل حسب رؤيته.

لم يكن متوقعاً لدى قيادات الإقليم أن تكون ردود الفعل إقليمياً ودولياً بمثل هذه اللامبالاة والسلبية تجاه الاستفتاء ونتائجه وتداعياته، حين تعامل العالم معه بفوقية وجعلوا بينهم وبين التعاطي معه مسافة ليست قريبة، واعتبروه شأناً عراقياً داخلياً يمكن معالجته مع ما يتفق مع أحكام الدستور الذي شارك الكرد في إعداده وصياغته وكتابته بتوافق كل مكونات العملية السياسية، والتي كانت كلها تحت رعاية أميركية إيرانية وبامتياز.

الموقف العربي الخليجي على وجه التحديد، في حقيقته يتبنى ويدعو دوماً إلى وحدة الأراضي العربية ورفضه للتجزئة والتقسيم، وهو مبدأ عام ينسحب على كل البلاد العربية، من خلال مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة، ولا يستطيع أن يخالف ذلك التوجه بما يتلاءم مع رغبات الإقليم في الاستقلال، كما أن الموقف الخليجي وبعد الأزمة القطرية وخروجها عن وحدة الصف الخليجي والعربي وتداعيات تلك الأزمة التي شغلت العالم ولا تزال، جعلته يقف بجانب وحدة العراق للحفاظ على الخريطة الجيوسياسية التي تمر بمرحلة تفكك وتشرذم تاريخية خطيرة تعدت العراق إلى بلاد مجاورة تهدد وحدتها في سوريا واليمن، كنتيجة حتمية لتمدد النفوذ الإيراني وهيمنته، يضاف إلى ذلك عامل أكبر أهمية وأكثر خطورة وهو سياسة التقارب ومد الجسور التي تحاول أن تنتهجها دول الخليج العربي كنهج مشرف وثابت في تاريخ علاقاتها العربية وفي مقدمتها السعودية والإمارات، لعودة علاقاتها مع العراق اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة مد جسور التواصل، في مسعى إلى عودة العراق إلى الصف العربي كونه بلداً مؤسساً في الجامعة العربية، ولوصل ما انقطع من علاقات تاريخية مشتركة، وكل هذا هدفه عدم ترك العراق وحيداً أمام التمدد والنفوذ الإيراني الذي طال أكثر مما ينبغي، من خلال سياسة أكثر حكمة وتهدف إلى خلق توازنات أكثر جدية وفاعلية لمواجهته.

مؤيد رشيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا