• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

لوفر أبوظبي .. هل يكون بداية حركة تنوير عربية جديدة؟!

جمال سند السويدي: مركز الثقل الثقافي العربي ينتقل لمنطقة الخليج

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 نوفمبر 2017

أ. د. جمال سند السويدي

يدفعني افتتاح متحف اللوفر - أبوظبي، كأول فرع لهذا المتحف العالمي العريق خارج فرنسا، بحضور سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، وفخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى الحديث بشكل مباشر عن انتقال مركز الثقل الثقافي العربي إلى منطقة الخليج العربي، وهي فكرة اقترب منها بعض الكُتّاب خلال الفترة الماضية بتحفظ وعلى استحياء، فيما تناولها بعضهم الآخر في إطار جدلي - صراعي يخرجها من إطار النقاش العلمي الرصين، لكنني سوف أتعرض لها، في هذا المقال، من منظور مختلف ومنطق مغاير، فليس منطلقي المباهاة أو الانزلاق إلى دائرة الصراعات الفكرية العربية التقليدية العقيمة، حول من يمتلك الريادة والقيادة والزعامة وغيرها، وإنما منطلقي هو: كيف يمكن تجيير هذا الحراك الثقافي المتميز الذي تعيشه منطقة الخليج العربي، لمصلحة المنطقة العربية كلها، بما يعزز حضورها على الساحة الدولية، ويخدم مصالحها ومصالح شعوبها، في إطار من التكامل بين مناطق العالم العربي المختلفة، وليس التنافس أو الصراع أو المجادلة؟.

حينما كان مركز الثقل الثقافي العربي في منطقة بلاد الشام، أضاء بنوره كل المنطقة العربية، وعندما انتقل إلى شمال إفريقيا، وصل إشعاعه إلى كل ركن من أركان العالم العربي، والعرب كلهم مدينون لهذه المراكز الثقافية في صوغ الوجدان الثقافي العربي وتشكيل ملامحه على مدى سنوات طويلة. والآن، ينتقل مركز الثقل الثقافي إلى منطقة الخليج العربي، بفعل عوامل عدة، سوف آتي عليها في جزء قادم من هذا المقال، وهذا ليس معناه بالطبع، غياب النمو الثقافي في المناطق العربية الأخرى، وإنما معناه أن منطقة الخليج العربي، هي الأكثر اهتماماً بالثقافة ورعاية لها وإنفاقاً عليها وجذباً لأربابها وروادها وصانعيها، في كل فروعها من دون استثناء، خلال هذه المرحلة من التاريخ العربي الحديث، وأنها، أي منطقة الخليج العربي، هي مركز الإشعاع الثقافي والفكري في المنطقة العربية. كما أن هذا ليس معناه إضاعة الوقت والجهد في التعبير عن الفخر والترفع والاعتزاز بالذات، أو محاولة فرض الوصاية الثقافية على الآخرين والاستغراق في عقدة التفوق الثقافي تجاههم، لأن هذا ذاته هو أول الطريق نحو التراجع، وأحد أخطر مصادر الصراع والتشاحن والاحتقان بين العرب، كما تدلنا على ذلك تجربة العقود الماضية في العالم العربي. فما يهم ليس من يتفوق على من، ومن تقدم إلى الأمام ومن تراجع إلى الخلف، أو معرفة من هو صاحب الريادة والزعامة في المجال الثقافي أو غير ذلك، ولكن المهم هو كيف يمكن استثمار أي تقدم أو تطور إيجابي في أي مجال، ثقافياً كان أو سياسياً أو علمياً أو اقتصادياً، وفي أي بقعة عربية لمصلحة العالم العربي كله.

حقائق خليجية

وضمن هذا السياق، لا أظن أن القول إن منطقة الخليج العربي قد غدت هي مركز الثقل الثقافي والحضاري في العالم العربي، ما يزال محل جدل أو اختلاف، فهذه حقيقة لا يحتاج الباحث أو المراقب فضلاً عن المواطن العادي، إلى الكثير من الجهد لاكتشافها والتعرف إليها، وإذا أردت أن أعدد بعض المظاهر البارزة لهذا الثقل الثقافي والحضاري الذي أتحدث عنه، فيكفي أن أشير إلى أن أكبر جائزة عربية للكتاب من حيث عدد المشاركين فيها والقيمة المالية لها، هي جائزة خليجية، وهي جائزة الشيخ زايد للكتاب، في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأول مدينة حرة للنشر على مستوى العالم هي «مدينة الشارقة للنشر» التي تم افتتاحها في 30 أكتوبر 2017 في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأهم القنوات الفضائية العربية موجودة في دول خليجية، وأهم الجامعات العربية التي تظهر أسماؤها في التصنيفات العالمية حول أفضل الجامعات في العالم، هي جامعات خليجية، وأهم مشروعات الترجمة إلى اللغة العربية، يتم تبنيها في المنطقة وفي مقدمتها مشروع «كلمة» للترجمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يرعاه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، وأبرز الصحف العربية على الساحة الدولية هي صحف خليجية، وأهم جوائز الصحافة والرواية والشعر، هي جوائز خليجية. يُضاف إلى ذلك العدد الكبير من مراكز الدراسات والبحوث الخليجية الرائدة وذات السمعة العالمية الطيبة، وفروع الجامعات العالمية الكبرى الموجودة في المنطقة، وفي مقدمتها جامعة السوربون وجامعة نيويورك والجامعة الأميركية، وغيرها من الجامعات العالمية الأخرى، وقد غدت الفعاليات الثقافية في المنطقة تجتذب كبار الكتاب والمفكرين والإعلاميين والفنانين في العالم كله، وتوجد في المنطقة مكاتب كبرى محطات التليفزيون والراديو في العالم، نظراً لما يتوفر فيها من بنية تحتية متقدمة على مستوى الاتصالات، ودورها المحوري والمؤثر في صناعة القرار العربي. كما انخرطت دول المنطقة في نشاطات ثقافية لم تكن تهتم بها من قبل، مثل: الإنتاج السينمائي وإقامة مهرجانات السينما بشكل دوري، وإنشاء دور للأوبرا (الإمارات مثال لذلك)، والإنتاج الفني والسينمائي، وخاصة مع توافر البنية التحتية اللازمة لذلك، حتى إن الكثير من البرامج والأعمال الفنية العربية الشهيرة يتم تصويرها في المنطقة، بل إن اللهجة الخليجية التي اعتبرها الكثيرون في الماضي حاجزاً أمام تمدد الثقافة والفن والأدب الخليجي خارج إطاره الوطني الضيق، لم تعد كذلك في ظل الإقبال المتزايد من الفنانين والفنانات العرب للغناء باللهجة الخليجية، وانتشار المسلسلات والمسرحيات الخليجية، من خلال القنوات الفضائية الخليجية التي غدت تصل إلى كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج، فضلاً عن الأغنية الخليجية التي اتسعت شعبيتها في العالم العربي بشكل ملحوظ. يُضاف إلى ذلك التطور الملحوظ في الفن التشكيلي الخليجي والزيادة الكبيرة في معارض الكتب الخليجية ذات السمعة العالمية بما يتوفر لها من إمكانات ضخمة وبنية تحتية متميزة ودعم على مستوى القيادات السياسية، ما يجعلها تستقطب كبرى دور النشر والكتاب والمفكرين من المنطقة العربية والعالم. وبعد سنوات من غياب الخليج أو حضوره الخافت في مجال الفكر والتأليف والكتابة الأدبية والصحافية والسياسية على الساحة العربية، تغير الوضع، حيث غدا الكتاب والمفكرون والأدباء والشعراء والروائيون الخليجيون، لهم حضورهم الملحوظ على ساحة الثقافة والفكر في العالم العربي، وخارجه.

رؤى المستقبل

وإذا أردت أن أسترسل في تعداد المظاهر فسوف يمكنني أن أضيف - كذلك - أن مشروع الفضاء العربي الأول هو مشروع خليجي «إماراتي»، وأول منطقة عربية تتجه بجدية نحو الطاقة النووية للأغراض السلمية وإنتاج الطاقة المتجددة، هي منطقة الخليج العربي، وكذلك فإن المنطقة هي الأكثر اهتماماً بالاستعداد لمرحلة «الثورة الصناعية الرابعة» من بين المناطق العربية الأخرى، وهي الأكثر حرصاً على استشراف المستقبل والاستعداد لتغيراته وتطوراته على المستويات كافة. فضلاً عن أنها غدت منبعاً لأفكار التغيير والتجديد الكبرى والشجاعة على المستويات المختلفة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما تقع الثقافة في صلب الرؤى والخطط المستقبلية للكثير من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سواء إذا تكلمنا عن «رؤية الإمارات 2021» أو «رؤية السعودية 2030»، أو «رؤية الكويت 2035» أو «رؤية مملكة البحرين الاقتصادية حتى عام 2030»، وغيرها، حيث إن كل هذه الخطط والرؤى المستقبلية تعتبر أن الثقافة جزء أساسي من التنمية الشاملة والمستدامة، ومن ثم تستثمر فيها وتهتم بها وتضعها ضمن أهم أولوياتها التنموية. وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة، بقصب السبق في كل ما ذكرناه. ولعل ما يزيد أهمية هذه النهضة الثقافية في منطقة الخليج العربي، أنها تتلازم مع اتساع مجال التأثير السياسي للمنطقة في مجريات الأحداث العربية والإقليمية والدولية من ناحية، وتحولها إلى المركز الاقتصادي والتجاري والمالي الرئيسي في العالم العربي من ناحية أخرى، بحيث يمكن القول: إن العلاقة وثيقة بين قوة السياسة والاقتصاد في المنطقة من ناحية، وقوة الثقافة من ناحية أخرى، لأن حالة الثقافة في أي مجتمع هي - في أحد جوانبها المهمة - انعكاس لحال السياسة ووضع الاقتصاد فيه، من حيث القوة أو الضعف. ولا شك في أن منطقة الخليج العربي هي مركز الثقل الاقتصادي والتنموي في المنطقة العربية، خلال المرحلة الحالية من تاريخ المنطقة، سواء من حيث معدلات النمو أو الناتج المحلي الإجمالي أو نصيب الفرد من الدخل الوطني أو مستوى التنمية البشرية أو الخطط التنموية الكبرى والطموحة أو حركة التجارة الخارجية، وغيرها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا