• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

العذريّون العرب تركوا بصمة خالدة على الشعراء الجوّالين في أوروبا

صوت الشعر الجاهليّ يتردد في أكسيتانيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 فبراير 2017

كتابة: إيريك بونيي - ترجمة :أحمد حميدة

ثمّة اليوم إجماع شبه تامّ حول مسألة انتقال جزء من الموروث الشّعري لعرب الجزيرة قبل الإسلام إلى أجزاء هامّة من أكسيتانيا بفرنسا، مثل أقاليم أكيتان ونربون والتّولوزانْ ولنكدوكْ، حيث ترسّخ ذلك الموروث، وعبر العلاقات العربيّة - الأندلسيّة المتعاقبة، أزهر صيغا مبتكرة من الكتابة الشّعريّة مثل الكانسوس والجارشا والموشّح والزّجل. كما بات من المؤكّد أنّ ذلك الإرث كان وراء ميلاد شعر أصيل جديد في فرنسا، ولكن أيضا أسلوبا مستطرفا في المحبّة، سوف ينتشر في غرب أوروبا عن طريق الشّعراء الجوّالين أو «التّروبادور»، ليعرف بالحبّ العفيف أو الغزل.

من إقليم لونكدوك، وبتشجيع من ملوك وأميرات كثيرات، سوف يكتسح ذلك الفنّ الشّعري مناطق الشّمال ويعمّ أكسيتانيا، ليغدو ملمحا ثقافيّا مميّزا تجلّى بوضوح في الكتابات الشّعريّة، وأسهم في تشكّل حساسيّة جديدة لدى النّاس، كما أسهم في إقامة علاقات إنسانيّة جديدة بين الرّجل والمرأة، وبلورة أيروسيّة لا زلنا نلمس آثارها إلى غاية اليوم. ولكن.. دعونا أوّلا، وبعيدا عن واقع أوروبا اليوم، نتوقّف عند تلك المنطقة من العالم التي استوعبت عديد التّأثيرات، ومثّلت البوتقة التي منها انبثق غزل الشّعراء الجوّالين بأوروبا أو التّروبادور، ألا وهي الجزيرة العربيّة قبل الإسلام.

الشّعر والهويّة

لئن كان أصل العرب يضرب بجذوره عميقا في الزّمن التّاريخي (ونحن نعثر على إشارات عن العرب العاربة والعرب المستعربة في النّقوش الآشوريّة البابليّة التي تعود إلى القرن التّاسع قبل الميلاد)، فإنّنا لا نظفر بأثر لهويّة عربيّة إلاّ في القرن السّادس، وذلك من خلال أوّل نصّ محفور بالعربيّة عثر عليه حدّ الآن، والذي يعود إلى الشّاعر الجاهلي امرؤ القيس (المتوفّى نحو 540)، والذي إليه ينسب ضبط القواعد الثّابتة التي سينتظم وفقها فنّ نظم الشّعر عند العرب.

وإن كان عرب وسط شبه الجزيرة العربيّة بدوا رحّلا، فكان ثمّة مع ذلك في إقليم الحجاز مدنا تجاريّة زاهرة، اعتمدت تجارة عابرة للصّحراء تسيّرها عشائر قبليّة مستقرّة. وأهمّ تلك المدن هي مكّة، التي كانت تحقّق أرباحا طائلة، باعتبارها سوق كبرى ووجهة الحجّ الوثنيّ للكعبة. وفي مكّة، كانت تنتظم بشكل دوريّ مناظرات شعريّة أسهمت إلى حدّ بعيد في بلورة لغة عربيّة بيّنة وجليّة بالنّسبة لأعداد متزايدة من القبائل. حينئذ، مع بداية تشكّل الهويّة الأولى للعرب، كان ثمّة من ناحية اللّغة ومن ناحية ثانية الشّعر.

وقد ندرك أهمّية ذلك المقول الذي هو الشّعر، في الإرث الثّقافي العربي، متى تأمّلنا البيئة الجغرافيّة القاسية التي كان يتحرّك فيها أولئك البدو، وأدركنا ما كان يطالهم في ربوعها التّيهاء من شظف عيش ومسغبة. وكم كان الشّعر كما الموسيقى مسعفين ومتناغمين مع عسر وغلاظة تلك الحياة.. حياة البداوة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا