• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

يتلاقى فيها تعبير الحقيقة وتعبير المجاز

اللغة العربية قبل الإسلام.. صفاء الفطرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 فبراير 2017

إيهاب الملاح

وصفت اللغة العربية قديمًا وحديثًا بأنها «لغة شعرية»، والذين يصفونها بهذه الصفة يقصدون أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وأنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها السامع، كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة، وتعبير المجاز على نحو لا يعهد له نظير في سائر اللغات. وحين تحدث الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» عن انفراد اللغة العربية بالعروض (علم أوزان الشعر)، عقب العقاد على كلامه بأنه «كلام علم وحق، لا يبعث إليه مجرد الفخر بالعصبية؛ لأن الفخر كثيرًا ما يزيد على تقدير الواقع ذهابًا مع العاطفة.. أما الحقيقة هنا فهي أكبر من قول القائلين: إن اللغة العربية لغة شعرية لانفرادها بفن العروض المحكم أو جمال وقعها في الأسماع، فإنها لغة شاعرة ولا يكفي أن يقال عنها: إنها لغة شعر، أو لغة شعرية، وجملة الفرق بين الوصفين أن اللغة الشاعرة تصنع مادة الشعر وتماثله في قوامه وبنيانه؛ إذ كان قوامها الوزن والحركة، وليس لفن العروض ولا للفن الموسيقي كله قوام غيرها».

كانت هذه الفكرة الناصعة هي الأساس الذي بنى عليه عباس العقاد كتابه القيم «اللغة الشاعرة»، وفيه عاد يبحث ويحلل وينقب عن جذور هذه الشاعرية في بنية وتركيب وخصائص اللغة العربية، التي تعود في جذورها إلى قرون طوال. تاريخ قديم، البعض يرده إلى مائتي عام قبل الإسلام، والبعض يرده إلى أبعد من ذلك، قرابة القرون الأربعة أو الخمسة.

(2)

اللغة العربية، أشهر اللغات السامية، تصعد إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون، كما يقول الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس مجمع اللغة العربية الراحل. اشتملت على لهجات مختلفة أخصها لهجة قريش التي امتازت بصفائها ورقتها وبسطت نفوذها على اللهجات الأخرى، وكانت عاملًا من عوامل «الوحدة اللغوية» للعرب. وأعانها على ذلك رحلات القرشيين التجارية شتاء وصيفاً، وما كان يقام على مقربة منهم من كل عام من مهرجانات أدبية كسوق عكاظ، والكعبة التي كان يحج إليها العرب في الجاهلية سنوياً، ويسعون إليها من كل فج سحيق.

وكانت العربية محصورة في الجزيرة قبل الإسلام، ثم أخذت تنتشر معه شرقاً وغرباً، شمالا وجنوبا، من أواسط جبال الهند إلى جبل طارق، ومن البحر الأسود إلى بحر العرب، ودخلت في صراع مع ثقافات ولغات أخرى كالفارسية والهندية، والقبطية والبربرية. وخرجت من هذا الصراع «ظافرة». أخذت من هذه الثقافات واللغات ما أخذت، أثرت فيها وتأثرت بها دون منازع، ولكنها سادت عليها، وحلت محل بعضها بصفة نهائية.

إذن، وكما يؤكد المؤرخ الراحل حسين مؤنس في كتابه «الحضارة»، فقد خرجت اللغة العربية إلى الدنيا -خارج الجزيرة- لغة كاملة مكتملة النمو بنحوها وصرفها وبلاغتها وكتابتها أيضا، فغلبت على غيرها من اللغات؛ لأنها لغة القرآن أولا، ثم بفضائلها الذاتية ثانياً، فأصبحت لغة الناس في العراق والشام ومصر والمغرب والأندلس. وقرب نهاية العصر الأموي، تقريبا، كادت اللغة العربية تقضي تماماً على كل اللغات التي كان الناس يتكلمونها في إيران، ولكن الفتن التي قامت بين العرب في إيران، ثم قيام الدولة العباسية على أكتاف عرب خراسان، وانتقال معظم هؤلاء إلى العراق جعل أعداد العرب الباقين في إيران قليلة لا تكفي لإحداث التعريب الشامل؛ لأن العرب هم خميرة التعريب، ومن دون عرب فلا تعريب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا