• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

سيف الرحبي في يومياته «من الشرق والغرب»

شاعر مسكون بالمسافة ونداء الأقاصي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 يناير 2014

مفيد نجم

ما بين أرخبيلات الشرق الآسيوي الأقصى، وجغرافية الشمال الأوروبي ترحل بنا عين الشاعر اليقظة في تلك الجغرافيات المترامية الأطراف في سفر لا يتوقف، وكأنه سندباد يضيق به المكان أو هو يضيق بالمكان، فيرحل في جهاتها الواسعة بحثا عن أصدقاء نأت بهم أقدارهم، أو عن ألفة ظلت منسية في زوايا تلك المدن البعيدة، أو رغبة في العزلة والتأمل في عالم يقرأ فيه غربة وجوده وقلق الإنسان الحائر وهو يتأمل جرح المسافة في عالم يزداد ضراوة وفتكا.

في علاقة الشاعر بالمكان؛ ثمة علاقة تقابل أو ثنائية ضدية تحكم تلك العلاقة التي لا تعكس تناقضا واختلافا كليا في الطبيعة الجغرافية للمكان، بقدر ما هي تعكس تباينا في الاجتماع والثقافة والتقاليد والسياسة، الأمر الذي يجعل حركته في المكان وما يعكسه من قلق وجودي ترتبط بهذه الأسباب من دون أن تفقده صلته بالمكان الأول للطفولة وانشداده إليه، نظرا لما يمثله من بعد رمزي ووجودي يصعب الانفكاك عنه. من هنا وفي ضوء هذه الدوافع والمعاني يمكن لنا أن نفهم هذه الغزارة التي تمثلها كتب اليوميات التي صدرت للشاعر حتى اليوم كتب يروم فيها أرض المجاز والأبدية في طواف الخيال ورحلة العين المسحورة بفتنة المكان وأسراره.

أربعة مدارات

في كتابه الجديد «من الشرق إلى الغرب: يوميات»، يأخذنا الرحبي معه في طوافه وتأملاته وحواراته الصامتة مع الكائنات والأشياء والوجوه والأسماء والوجود، الذي تنتهك روعته وجماله نزعة الشر والتملك والغطرسة الفاجرة عند البشر في عالم تحكمه القوة والمصالح والجشع والأنانية.

يضم الكتاب أربعة نصوص (يوميات الجزر الآسيوية - النسر يصطاد العاصفة - حين أشرق طفل من روحه - يوميات قرية ألمانية). على مدار هذه المدونات اليوميات تجتمع في لغة الشاعر وهي تعيد قراءة الأشياء لغة الوصف واللغة التقريرية والشعر والتداعيات والمونولوج، الذي يتسم تلك اللغة بالتنوع والتدفق، حيث يقف الشاعر أمام صمت الأشياء وصخب الحياة والكائنات، ليتأمل ويطوف بأجنحة الخيال ما وراء تلك الظواهر والصور التي تحتشد أمامه، أو التي يستحضرها من عزلتها لتكون موضوعا للتأمل في معنى الوجود والحياة وعلاقة الإنسان بالزمان وبالإنسان والوجود، فالشاعر لا يكتب ليصف ما يرى وحسب، بل لكي يستنطق ما يراه، أو يجعل منه تلك الصورة التي يتمرأى فيها وجود الكائن وتاريخه المثقل بالخطايا والخيبات، تخفيها أو تبوح بها أو تستدعيها صورة العالم الضاج بكائناته اللاهثة وراء غرائزها، أو صور ماضي الطفولة الذي لم يزل يغذي مخيلة الشاعر، ويهبها الجمال والدهشة:

«أتأمل جذع هذه الشجرة السامقة بجذورها الملتفة كمخيم بداة رحّل اجتمعوا مصادفة في فسحة هذا العراء الذي تطوقه المباني والأبراج من كل الجهات.. تنبجس من حنايا الذاكرة البعيدة شجرة السوقم السمائلية أو السوقمة بتلك الحارة التي لم أعد أتذكر اسمها. ذهبت الأسماء وبقيت الشجرة في ليل الذاكرة تنمو وتستطيل حتى بلغت كما في الطفولة الغاربة علوا لا يجارى حتى من قبل هذه الأشجار العملاقة». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف