• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م
  01:27     شرطة عجمان تخفض المخالفات المرورية بنسبة 50%     

قراءة في تاريخ اللاهوت الإسلامي

الحنيفية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 فبراير 2017

عبد الجواد يسن

باعتباره واقعة اجتماعية، ينشأ اللاهوت الجديد، أيُّ لاهوت جديد، انطلاقاً من نقطة في ثقافة دينية أسبق. موضوع النقاش هنا هو علاقة اللاهوت الإسلامي الناشئ ببيئته الدينية المباشرة، أشير إلى بيئة التفكير الديني في مكة عند القرن السابع، مقروءة، بالطبع، في سياقها الكلي، بأبعاده الجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والعقلية التاريخية. اتسعت هذه البيئة لمفردات دينية ثلاث كانت جميعاً على تماسّ مباشر مع اللاهوت الجديد: هناك أولاً نظام التدين شبه الإقليمي الذي يقوم على تعظيم الكعبة المكية، ويمتد نفوذه إلى معظم قبائل الجزيرة، وهو ما سنصطلح على تسميته «النظام الطقوسي القرشي». يطغى هذا النظام على البيئة الدينية المباشرة ولكنه لا يستغرقها، فثمة ممارسات ومعارف كتابية مجاورة (يهودية، ومسيحية)، إضافة إلى أفكار ذات طابع توحيدي أخلاقي، مناقضة للوثنية القرشية، وغير مطابقة لليهودية أو المسيحية، ستُعرف إسلامياً بالحنيفية.

أهمية الحنيفية، ضمن هذه البيئة، تأتي من زاويتين: الأولى: زاوية الارتباط الوثيق بينها وبين الدين الجديد موضوعياً وعضوياً، إلى حد اعتبارها مقدمة طبيعية وتمهيداً منطقياً للإسلام.

والثانية: زاوية التواصل النسبي بينها وبين المكونين الدينيين العربي والكتابي معاً، إلى حد اعتبارها حلقة وصل ضمينة بين الإسلام والتدين العربي من جهة، وبينه وبين اليهودية والمسيحية من جهة ثانية. سنواجه بالطبع، نفس المشاكل التوثيقية التى تكتنف التأريخ للجاهلية المتأخرة، خصوصاً جانبها الديني: عدم وجود مصادر خارجية، ندرة النصوص الأصلية، معضلة النَّحْل اللصيقة بالشعر، إضافة إلى مصاعب الإسناد التقليدية في الروايات، والتدخل التأويلي المعتاد في المصادر الإسلامية. ومع ذلك، سيكون بالإمكان تحصيل تصور تقريبي موثق، من المصادر الإسلامية كمرجعية أساسية، والمصادر الأدبية كمرجعية ثانوية مساندة. المصادر الإسلامية المتمثلة في كتب الحديث، والتفسير، تثبت وجود الحنفاء كجماعة توحيدية متمايزة في الجاهلية، ما يعني «الإقرار» بوجود تيار ديني شديد الشبه بالإسلام، قبل ظهور هذا الأخير في مكة. لهذا الإقرار «الإسلامي» أهمية توثيقية. من حيث هو يشهد لحضور ظاهرة يمكن لها أن تسحب أسبقية الإسلام التوحيدية، أو أسبقية النبي الإسلامية. أو من حيث يفتح الباب أمام فكرة الاقتباس أو التأثر بهذا التيار من قبل النبي، أو اعتباره واحداً من الأحناف قبل البعثة، واعتبار الإسلام في النهاية تصعيداً لظاهرة دينية قائمة من قبل. عند هذه النقطة يظهر اللاهوت الجديد كفعل ممتد، ناشئ عن تطور طبيعي ضمن سياقه الاجتماعي المحلي.

كيف نقرأ الحنيفية، وعلاقتها باللاهوت الجديد؟

لا يقابلنا مصطلح «الأحناف» كثيراً في النصوص الجاهلية. وفكرتنا عن مفهوم «الحنيفية» في الاستخدام الجاهلي، مستمدَّة في الغالب من المصادر الإسلامية، وهي كثيراً ما تسقط مفاهيمها المستحدثة على معاني المفردات. بعض هذه المصادر تقول بأن الحنيف عند الجاهليين هو من اختتن وحج البيت الحرام.

وفقاً لهذا التعريف يكون القرشيون في مجملهم حنفاء، وتكون الديانة القرشية حنيفية، بما أنها تقوم أساساً على حج البيت وتمارس الختان، وتعتبر ذلك بعينه ديانة إبراهيم. للحنيفية هنا معنى مكافئ للديانة القرشية، وفي الوقت ذاته للديانة الإبراهيمية، بما هي الديانة الصحيحة المستقيمة. يقول الأصفهاني في المفردات: «تحنَّف فلان أي تحرَّى طريق الاستقامة، وسمَّت العرب كل من حج أو اختتن حنيفاً، تنبيهاً أنه على دين إبراهيم». وفي ذلك إشارة إلى أن الربط بين الحنيفية والإبراهيمية كان معرفاً في الجاهلية. ولكن غالبية المصادر تشرح لنا مصطلح الأحناف في الجاهلية، وهي تستصحب التعريف القرآني للحنفية، فتضيف إلى الحج والاختتان جملة من الخصائص والشروط، تبدأ باعتزال الأصنام، ثم الامتناع عن أكل الذبائح التي أُهلّ بها لغير الله، وعن شرب الخمر، إضافة إلى الاغتسال من الجنابة، والانعزال للتأمل. الحنيفية هنا تعني الإسلام تقريباً، أو تعني ملة إبراهيم كما صارت تُفهم في الإسلام، لا كما كانت تُفهم في الجاهلية، يقول الطبري: «الحنف عندي هو الاستقامة على دين إبراهيم واتّباعه على ملته. وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت لوجب أن يكون الذين كانوا يحجون في الجاهلية من أهل الشرك حنفاء، وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفاً بقوله: «وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (آل عمران: 67). وكذلك القول في الختان لأن الحنيفية لو كانت هي الختان لوجب أن يكون اليهود حنفاء، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (آل عمران: 67). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا