• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

استعان «الإخوان» وأنصارهم الإرهابيون بالإعلام في حربهم ضد هيبة الدولة الوطنية العربية

أنا آسف.. الإعلام العربي حزام ناسف!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 08 يوليو 2015

قرأت في إحدى الصحف العربية خبراً وصفته الصحيفة بأنه عاجل وجاء فيه أن أعداداً كبيرة من شباب تونس العاطلين والمهمشين والمحبطين ينضمون إلى الجماعات التي سمتها الصحيفة في خبرها العاجل (جهادية)، ولم أدر حتى الآن ويبدو أنني لن أدري أبداً لماذا وصفت الصحيفة خبرها بأنه عاجل، فلا توجد به معلومات ولا أعداد ولا أسماء ولا مصادر. وليست به أي إجابة عن الأسئلة الخمسة التي درسناها في كليات الإعلام، وهي (من وماذا ومتى وكيف وأين)، وهي الأسئلة التي سماها أساتذة الإعلام الشقيقات الخمس.

وبتحليل مضمون بسيط لما سمته الصحيفة خبراً عاجلاً نكتشف بسرعة كبيرة أنه ليس خبراً عاجلاً ولا خبراً عادياً، ولكنها على وجه الدقة رسالة عاجلة، بل رسالة إرهابية عاجلة، ودعوة مفتوحة إلى كل الشباب العربي الذي يرى نفسه محبطاً أو مهمشاً أو عاطلاً للانضمام إلى الجماعات الإرهابية التي قالت الصحيفة عنها إنها جهادية.

وهذا النوع من الرسائل المفخخة والناسفة يملأ الصحف والفضائيات والمواقع الإلكترونية العربية، ويبدو أن عباقرة تحليل المضمون في الأمة العربية قد ماتوا ولم يشبعوا موتاً وتركوا الحبل على الغارب لهذه العبوات الإعلامية الناسفة التي لا تعني سوى إعلانات مجانية أو مدفوعة لتجنيد الشباب العربي في صفوف الإرهابيين أو الجهاديين على حد زعم هذه الرسائل التي أراها قذرة بكل ما تحمل الكلمة والوصف من معنى.

وقد سقط كثير من المسؤولين العرب في فخ نصب لهم، وهو فخ الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، وهي شعارات غلَّت أيدي الدول العربية عن ملاحقة الرسائل الإعلامية الملغومة ووسائل الإعلام التي باتت ظهيراً واضحاً للإرهاب وداعماً قوياً له عبر أخبار مفبركة ومقالات مسمومة وتعليقات مدمرة.

والإعلام العربي بشكل عام لم يعد معنياً بالأوطان وبالأمن القومي، ولكنه معني بالرواج والتوزيع والانتشار بأي وسيلة ولو كانت على حساب الوطن والقيم والأخلاق والفضيلة، والإعلام العربي يعمل بشعار مخرجي الأفلام المسفة والهابطة وهو شعار (الجمهور عايز كدة)، أي أنه يقدم للجمهور ما يريده لا ما يفيده، والاعتماد على وعي المتلقي وقدرته على الفرز ومعرفة الغث من السمين ليس مجدياً لأن وعي العامة في أمتنا مغيب تماماً. ولم يعد من المفيد أبداً التعويل على وعي الناس وإدراكهم، فذلك نفاق واضح وفاضح للجماهير. وعلينا أن نعترف أمام أنفسنا أولاً بأن العامة كثرة كغثاء السيل، وأن الكثرة لم تكن يوماً محمودة ولا ممدوحة، وأن القرآن الكريم ذم الكثرة والكثير من الناس في غير موضع بأن أكثر الناس لا يعلمون وأكثرهم لا يفقهون وأكثرهم لا يؤمنون وأكثرهم لا يعقلون. وهذا كلام قلناه قبل اليوم، ولكن لا بأس من التكرار والتذكير لأن ذاكرة العرب ضعيفة حتى كأنهم مصابون (بالزهايمر الوبائي).

والإعلام العربي معني بهذه الكثرة ويخاطب الذين لا يعلمون وموجه للذين لا يفقهون ولا يؤمنون ولا يعقلون. فهو إعلام القطيع الذي يعتمد على الكذب لأن الصدق لا يحقق الرواج، ويعتمد على التهييج والإثارة لأن الموضوعية لا تحقق الذيوع ويعتمد على الشذوذ في الرأي وفي الرسالة، ويعتمد على الاجتذاء ونصف الحقيقة، ونصف الحقيقة كذب كامل. والعامة يميلون إلى إعلام السباحة ضد التيار، وهناك ما يشبه الرأي العام أو الإجماع لدى القطيع على أن الإعلام المعارض شجاع، ولو كان على باطل، وأن الإعلام المؤيد منافق وكاذب ولو صدق. وهناك قطاع كبير من العامة ومن الإعلاميين أيضاً يرون الإرهابيين شجعان وأبطالاً، لأنهم معارضون للسلطة ولا يخافون في الحق لومة لائم، ويقاتلون في سبيل الله، ورفضهم أو انتقادهم حرام، لذلك فإن أي محاولة لما يسمى تجديد أو إصلاح الخطاب الديني لن تجدي نفعاً لأن الخطاب الإرهابي هو السائد. أما الخطاب الديني الذي يعتمد على الوسطية والتسامح، فهو خطاب غير مثير ولا يحظى بإقبال العامة. والاعتدال في مواجهة الإرهاب معادلة فاشلة لأن الإرهاب القولي والفعلي أكثر رواجاً ويحظى بإقبال أكبر. والمعادلة الناجحة هي القوة في مواجهة الإرهاب، أو الإثارة في مواجهة الإثارة، وكما أن الإرهاب مثير فإن المواجهة يجب أن تكون مثيرة.

ومواجهة الإرهاب بالفكر والحجة كلام فارغ، لأن الفكر يواجه الفكر، والحجة تواجه الحجة، أما القول إنْ من يشهر في وجهي مدفعاً أو سيفاً أو سكيناً عليَّ أن أشهر في وجهه قلماً أو كاميرا أو لساناً فصيحاً، فهو قول مجانين وهو قول مضحك، كما أن قولهم إن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي كلام فارغ لأن المواجهة الأمنية الشاملة هي الحل الوحيد ضد الإرهاب الدموي. فقد فات وقت الخطاب المعتدل والعاقل والمواجهة الفكرية والعقلية. والمواجهة الأمنية الشاملة تعني الشدة والملاحقة لإعلام الإرهاب وثقافة الإرهاب، ومواقع الإرهاب، وفن الإرهاب، ورجال أعمال الإرهاب المسؤولين عن اقتصاد دولة الإرهاب. ولا ينبغي أن يكون هناك حياء أو خجل في الأمن. فلا حياة ولا سعادة ولا رخاء ولا استقرار ولا سياحة ولا إنتاج لمجتمع لا أمن له. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. والبداية بالأمن مقصودة أي أن الترتيب في الحديث مهم. فلن يكون المرء معافى في بدنه وروحه ونفسه ولن يكون عنده قوت يومه إذا لم يكن آمناً في سربه. وكل الفئات عندها أجندات شخصية ومصالح ذاتية. كل الجهات من أحزاب ونقابات ونشطاء وإعلاميين إلا الجهات الأمنية، فإن لها أجندة واحدة هي أجندة أمن الوطن والمجتمع، لذلك يكره القطيع العربي والعامة والنخبة الإعلامية أيضاً الأمن. وطبيعي أن تكره الفوضى الانضباط ويكره المنفلت النظام. ودول «الخريف العربي» سقطت أو كادت عندما فقدت شعوبها الأمن وعندما فقدت الدولة هيبتها بصعود تيار الانفلات والإرهاب وانقضاضه على الأجهزة الأمنية. وهيبة أي دولة تقوم على ثلاثة أعمدة إذا سقطت سقطت الدولة كلها، وهي القضاء والجهاز الأمني والقوات المسلحة، لذلك انصب عمل «الإخوان» عندما ركبوا موجة الخريف العربي على محاولة إسقاط المؤسسات الثلاث أو الأعمدة الثلاثة. وقد استعان «الإخوان» وأنصارهم الإرهابيون بالإعلام في حربهم ضد هيبة الدولة الوطنية العربية. وتركزت حملات الإعلام على بث العداء بين الشعوب وأجهزتها الأمنية وقواتها المسلحة وقضائها. وانطلى ذلك على العامة والدهماء والسوقة الذين يبحثون عن جنازة ليشبعوا فيها لطماً، وينشدون الإثارة والتهييج ولو بالباطل. وما زال الإعلام العربي بكل أسى يلعب دوراً مسانداً للإرهاب وداعماً له، سواء وهو لا يدري وتلك مصيبة، أو وهو يدري فالمصيبة هنا أعظم. فالإعلام العربي يجري إلى ما يدري أو ما لا يدري وفي كل الأحوال يوجه رسائل ناسفة تزيد اشتعال النار ونشاط العاصفة. وأعترف وأنا آسف بأن الإعلام العربي حزام ناسف!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا