• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

كيف كان سيبدو لو أننا اقتنصناه؟

أقنعة الموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 ديسمبر 2016

صالحة عبيد

تدون البيلاروسية الحائزة نوبل «سيفتلانا إليكسييفيتش» في كتابها «ليس للحرب وجه أنثوي» ما جاء على لسان ممرضة من الممرضات السوفييتيات في فترة الحرب العالمية الثانية، التي بدورها كانت تتحدث عن اللحظات الأخيرة من ملامح جرحى الحرب، لتقول: «كان بعضهم يموت بهدوء ودون صوت، وبعضهم الآخر كان يصرخ: «لا أريد أن أموت!» ويشتم أمك، أحدهم فجأة غنى أغنية مولدافية، يموت الإنسان، لكنه مع ذلك لا يظن ولا يصدق أنه يموت، وأنت ترين، كيف يأتي اللون الأصفر الغامق من تحت الشعر يتحرك كظل في البداية على الوجه، ومن ثم تحت الثياب، إنه يرقد ميتاً، وعلى وجهه دهشة غريبة، وكأنه يرقد ويفكر: هل أنا قد مت الآن، أمعقولٌ أنني قد مت؟!».

من هنا، توقفت ملياً لأتأمل الدهشة الدائمة التي لا زال الموت قادراً على منحها للبشر، تساءلت عن المرة الأولى التي عايش فيها ذلك الإنسان الأزلي فكرة الفناء، ليبقى عاجزاً دائماً عن توقع ردة فعله أمامه، حتى لو أدرك أنه على وشك الحدوث، وكيف أنه لربما تساءل عن إمكانية أن يكون وقعهُ أخف لو كان لهُ وجهٌ ما، شكلٌ مادي محسوس، يستطيع من خلاله أن يلمسه، أن يتماهى مع مكونه، ليكون وقع المباغتة في كل مرة أخف فأخف، الوقع الذي يخلفه على أولئك الأحياء بالطبع، شعرت بتلك الممرضة لكأنها تصنع قناعاً من الكلمات لوجوه أولئك الموتى وملامحهم قبيل فاجعتهم الخاصة أو خلاصهم الوشيك، هذا القناع الذي كان في مواضع أخرى من التاريخ ليس مجرد وصف، بل عادة شائعة جداً، ازدهرت في الفترة ما بين القرن الخامس عشر الميلادي وحتى قرابة نهاية القرن السابع عشر الميلادي، حيث كانت طقوس الموت في أوروبا وما حولها، بالإضافة إلى روسيا وبعض أنحاء آسيا، تشمل نسخ قالب من الجص عن ملامح المتوفى، لكأنهم من خلال ذلك يلتقطون له صورةً فوتوغرافية كذكرى أخيرة، هذا بالإضافة إلى ارتباط هذه العادة، في معنى آخر، بدواعٍ بحثية لبعض العلوم كدراسة التشريح، تلك العادة التي خفتت فيما أعقب القرون الوسطى تلك، بقيت حيةً لتسطع من وقت لآخر حيث تُنسخ تلك الملامح الأخيرة لبعض الكتاب والفنانين والشخصيات السياسية كنابليون بونابارت وهاينرش هيملر وصاموئيل جاكسون وثيودور روزفلت وغيرهم.

عمل فني أصيل

يخصص كتاب «Death and Resurrection in Art» لكاتبه «إنريكو دي باسكال»، فصلاً كاملاً عن أقنعة الموت عبر التاريخ، كنوع أصيل من أنواع الفنون، مساوياً إياها بما تركه الإنسان التاريخي من أعمال فنية ونحتية تحاول أن تفسر الموت، بدءاً من نقوش جدران الكهوف القديمة وصولاً إلى ما لا زالت تقدمه بعض الفنون التعبيرية الثلاثية الأبعاد. في فصل أقنعة الموت يكتب «دي باسكال» أن المتخصصين في صب تلك الأقنعة هم في الحقيقة يمارسون هذا الطقس كجزء من مشاريعهم الفنية كالنحت والرسم وغيرها، وأن بعض أقنعة الموت المحفوظة في متاحف ومزارات متنوعة حول العالم، توضح اسم الفنان الذي قام بصب القناع إلى جانب اسم تلك الشخصية الشهيرة المتوفاة، لكأننا الآن هنا أمام منحوتة توجز عملاً فنياً متكاملاً كما هو الحال مع قناع موت الروائي الفرنسي «فيكتور هوجو» المحفوظ في متحف أورساي في العاصمة الفرنسية باريس، والذي يذكر إلى جانب اسم صاحب القناع «هوجو» اسماً آخر هو «Aimé-Jules Dalou» الذي يعد من أبرع النحاتين الذين عاصروا «فيكتور هوجو» منجزاً للكثير من المنحوتات الفنية المشار إليها كأيقونات فنية في فرنسا بشكل خاص وأوروبا عموماً، في ذلك القناع الأخير، يظهر «هوجو» كمن يحاول أن يكمل حكاية ما، يغمض عينيه مستذكراً الأحداث، ولكنها هنا هي تلك الإغماضة الأخيرة التي لن تسمح للمخيلة بأن تحمل الحكايات لتكتب على الملأ.

كيف بدأ الأمر ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا