• السبت 03 محرم 1439هـ - 23 سبتمبر 2017م

حرب الخفيف والثقيل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 ديسمبر 2016

د. العادل خضر

في سلسلة أفلام «حرب النّجوم» الّتي بلغت حلقاتها ستّاً إلى حدّ الآن، وابتدعها جميعاً المخرج (جورج لوكاس Georges Lucas) سنة 1977، كانت الحرب دائرة في مجرّة بين فرسان جادي وأسياد السّيث السّود، وكلاهما كان منجذباً إلى قوّة، أو حقل طاقة عجيب، بواسطته يتمتّع كلّ فريق منهم بقوى نفسيّة خارقة، إلاّ أنّ فرسان الجادي كانوا يتحكّمون في الجانب النّورانيّ من تلك القوّة، ويستخدمون فضائلها لخدمة السّلم داخل المجرّة. أمّا السّادة السّيث فكانوا يستخدمون جانبها المظلم وما يحويه من قوى مدمّرة لمصلحتهم الخاصّة قصد الهيمنة على المجرّة. وقد استمرّت هذه الحرب طوال أجيال متلاحقة محافظة في كلّ حلقة من حلقات «حرب النّجوم» على نفس العالم العجائبي الممتزج بالكثير من الخيال العلميّ، امتزاجاً نهض على خلفيّة التّصوّر الإمبريالي الحديث للحرب. فلم يعد رهان الحروب اليوم هو الانتصار على العدوّ واحتلاله، وإنّما أصبح رهانُها اكتساحَ العالم، وتدميرَ أسباب وجوده بأسلحة الدّمار الشّامل، باسم سلم دائمة مستحيلة.

بريد السماء

مثل هذه الحرب الّتي تدور رحاها في السّماوات البعيدة لا يشعر إزاءها المتفرّج المسلم بأنّها غريبة عنه، ففي موسوعته الثّقافيّة الثّريّة بما يعرف من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» يجد في مخياله القديم والجديد ما يوازي الكائنات الموجودة في عوالم «حرب النّجوم» ويفوقها كثرة وعدداً. فالسّماوات في ثقافة المسلم ما زالت إلى اليوم عامرة بسكّان من الجنّ والمردة والشّياطين والملائكة، في حرب لا تكاد رحاها تتوقّف. يكفي أن نلمح في اللّيل النيازك الحارقة وهي تمرّ في الظّلام بسرعة فائقة حتّى نؤوّل ما رأته عيوننا المنبهرة بأنّها شهب قد أصابت مقتلاً من جنّيّ أو مارد كان يسترق السّمع ويتنسّم أخبار السّماء ويحاول الاطّلاع على أسرار الغيب. ذلك أنّ قطب النّزاع و«الصّراع الطّبقيّ» بين طبقات الجنّ ومراتب الملائكة إنّما هو دائر منذ خلق الكون على السّيطرة الكاملة والهيمنة المطلقة على طرق النّقل والتّنقّل، وقنوات الاتّصال، وإدارة الرّسائل ومصادر الأخبار، فالملائكة ليست مجرّد كائنات سماويّة، فهي تتحدّد قبل كلّ شيء بوظائفها المتعدّدة الّتي ضبطت في علوم الملائكة angélologie. ولعلّ أبرز هذه الوظائف هي نقل الرّسائل. فلفظ «الملاك» يعني في اللّسان العربي حامل الرّسالة، وأحياناً يكون الرّسالة ذاتها. فالملاك هو الرّسول الّذي يحمل الرّسائل وينقلها. فهو الشّكل السّماوي للبريد. ولكن ما البريد؟ يكفي أن نفتح لسان العرب، ونقرأ بعض ما جاء في لفظ «البريد» حتّى نقف على حقيقة تبدو من تحصيل الحاصل، أو من البديهيّات، وهي أنّ الرّسائل لا تُرسِل نفسها بنفسها، فهي تحتاج دائماً إلى من ينقلها، لأنّها لا تبلغ مقصدها دون حامل يحملها، يقطع بها الطّريق، ويطويها طيّاً، إلى أن تبلغ صاحبها أو صاحبتها. فبين كاتب الرّسالة وقارئها، وبين «من أَرْسَل» و«من أُرْسِل إليه» سلسلة من الوساطات والوسائط تؤكّد لنا ما ذهب إليه أبو الميديولوجيا (مارشال ماك لوان Marshall Mc Luhan) لمّا قال: «الرّسالة الحقّ، إنّما هي الوسيط ذاته»، وليس وسيط الرّسالة سوى بريدِها. فعمل الإرسال ذاته يعبّر عنه بفعل «بَرَدَ». فـ«بَرَدَ بَرِيداً أَرسله». وما بريد الرّسالة إلاّ «الرُّسُل على دوابِّ البريد». فـ«البَرِيد الرّسول»، أي حامل الرّسالة. والبريد أيضاً «سِكَكُ البرِيد، كلّ سكّة منها اثنا عشر ميلاً». فالبريد بهذا المعنى هو اسم الطّريق بما هو فضاء التّنقّل والنّقل، بل هو المسافة الّتي تقطعها الدّوابّ الّتي يمتطيها الرّسول، وتسمّى أيضاً «البرِيد». فقد سُمِّيَت «المسافة الّتي بين السّكّتين بريداً». أمّا الدّابّة الّتي يمتطيها الرّسول فيطلق عليها اسم البريد أيضاً: «وقيل لدابّة البريد بَريدٌ، لسيره في البريد». وأصل الكلمة فارسيّة «أَصلها «بريده دم»، أَي محذوف الذَّنَب، لأَنّ بغال البريد كانت محذوفة الأَذناب كالعلامة لها». فلفظ «البريد» اسم جامع يطلق على الرّسول، حامل الرّسالة، ويطلق أيضاً على الدّابة الّتي تحمل الرّسول، ويجري على الطّريق الّتي كانت الدّوابّ تسير فيها، وتُسمّى سكك البريد، وكانت تُقاس بالفراسخ والأميال.

ويمكن أن نعتبر البريد حلقة وسطى من تطوّر شبكات التّواصل، بها أصبح التّواصل أرضيّاً خفيفاً سريعاً عابراً للأمكنة بعد أن كان في الأصل سماويّاً في سياق اللاّهوت التّوحيديّ. فإن استحضرنا لفظ «الملاك» في اللّسانين العربيّ والإغريقيّ وجدنا أنّه ليس ببعيد عن سياق البريد والرّسائل. فالبريد هو الرّسول، حامل الرّسائل، تماماً كالملاك، فهو بدوره حامل الرّسالة وأحياناً يكون الرّسالة ذاتها. فأصل مَلَك هو «مَأْلَك»، وقد أُخذ من لفظ «الألوكة»، وهي الرّسالة، بينما تعني كلمة Ange، المنحدرة من اللّفظ الإغريقيّ angelos، الرّسولَ أو حاملَ الرّسالة messager. ويبدو من تقارب معاني لفظي «الرّسول» و«الملاك» أنّ جسد البريد وحامله المادّيّ قد تغيّر. فبعد أن كان في سياق التّوحيد كائناً سماويّاً مفارقاً للحسّ، آتياً من فوق العالم، ينزل بألواح القانون والكتاب المبين والآيات البيّنات، صار في زمن «المسالك والممالك» والإمبراطوريات، جسداً بشريّاً، يطوي الأرض بسرعة الدّوابّ الّتي كان يمتطيها، قبل أن يستبدل في زمن المطابع بطابع البريد، بقطعة من ورق، صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، لا تعترف بالحدود الجغرافية ولا بالمسافات، ولا بالأزمنة، ولا بالحيطان والأسوار المنيعة، ولا بالأبواب والبوّابات. إنّه يمرّ دائماً، كمفتاح سحريّ يفتح كلّ المغاليق ولا تقاومه أبداً المراتيج. فمجرّد ظهور طابع البريد يعني أنّ جسد «الملاك» و«الرّسول» قد تغيّر، مذكّراً إيّانا بأنّ الملائكة ما انفكّت منذ غابر الدّهور ترسم خرائط سكننا، وشبكات كوننا الجديد.

حرب رسائل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا