• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

المفروض أن يكره الضعيفُ القوي، وأن يكره الفقيرُ الغني، وأن يكره الأسوأ الأفضل حسداً من عند أنفسهم، وبالتالي نحن أعداء الغرب وليس الغرب عدونا، لكننا قوم مكابرون، ولأننا لا نتأمل ولا نعيد النظر أصبحت الخطايا مسلَّمات

مواجهة الدبابة.. بالسِّبابة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 21 ديسمبر 2016

محمد أبوكريشة*

سُبّت العجم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوها، فإنها عمّرت بلاد الله ليسكنها خلق الله».. ونهى الله عز وجل في كتابه العزيز حتى عن سب الذين كفروا لأن ذلك سيؤدي إلى سبهم الله عز وجل عَدْواً بغير علم.. وقال صلى الله عليه وسلم: من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل وكيف يلعن الرجل والديه يا رسول الله، قال: «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه».. ويقول المثل العامّي المصري: «ما شتمك إلا مَنْ بلغك».. فإذا أبلغت رجلاً بأن آخر يسبه ونقلت له السباب، فأنت الذي سببت.

والعرب أمّة السبَّابين أو أمة سبَّابة.. حتى إنهم سموا إحدى الأصابع في اليد «السَّبَّابة»، ولست أدري لماذا «السبابة»، ولم يقولوا، ولم يسموها «المشيرة» مثلاً على أساس أنها تُستخدم للإشارة إلى الأشياء أو الأشخاص؟ ولماذا لم يسموها المحذرة أو المنذرة مثلاً على اعتبار أنها تستخدم كثيراً للتحذير والإنذار؟

والإخوان هم رواد السب والقذف في الأمة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي بعد أن تسلموا الراية وأعني راية السب، والقذف، والعنف من التيار القومي.. ولم يكن من جديد سوى تبديل مصطلحات وعبارات وألفاظ السب القومية إلى مصطلحات إسلامية، فصار العميل مرتداً، وصار الخائن المأجور كافراً، وصار أعداء العرب أعداء المسلمين. لكن الإخوان ومن والاهم وخرج من عباءتهم من جماعات إرهابية وسَّعوا دائرة السب والقذف لتشمل العالم كله. وهم الذين دشنوا المصطلح الوهمي والفكرة المزيفة، وهي فكرة أعداء الإسلام، فصار كل مخالف في الرأي، أو العقيدة، أو الفكر عدواً للإسلام، وهم الذين حصروا الجهاد في القتل والذبح، وضيقوا واسعاً، لأن الجهاد هو كل عمل في سبيل الله حتى إذا كان إماطة الأذى عن الطريق وأعظم الجهاد جهاد النفس. وكلمة حق عند سلطان جائر، حتى كلمة الحق جعلها الإرهابيون وإخوانهم كلمة سب عند أي سلطان جائر أو عادل، كلمة سب لمجرد أنه سلطان، أو رئيس، أو مسؤول.

والشعوب الغائبة أو المغيبة تآلفت مع لغة العنف والسب واعتادتها لمجرد أنها مطعمة بنصوص دينية.. فقدم «الإخوان» مشروعهم السلطوي السياسي على طبق ديني، ولعبوا على وتر أن كل العالم أعداء للإسلام وتحدثوا طويلاً عن الاصطفاف ضد أعداء الإسلام، كما نصطف في الصلاة. فهي دعوة إلى المظهر لا إلى الجوهر.. إلى اصطفاف الأجساد لا اصطفاف القلوب والعقول، فنحن أمة الذين تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. نحن مصطفون اصطفاف النفاق، وإذا رأيتنا تعجبك أجسامنا، وإنْ نَقُلْ تسمعْ لقولنا ويعجبك قولنا في الدين والدنيا، ونُشهد الله على ما في قلوبنا ونحن ألدّ الخصام.

المسيحيون عندنا كفرة واليهود كفرة، وكلهم أعداء الإسلام، وهم الذين يكتبون لفظ الجلالة على الأحذية، وهم الذين يكتبون آيات القرآن الكريم على كراسي المراحيض.. أرأيت قوماً في مثل تنطع أمتنا وقومنا؟ أرأيت محاولات لاستثارة الناس واستفزازهم مثل ذلك الذي يحدث عندنا؟

أصبح مصطلح «أعداء الإسلام» من المسلمات منذ أطلقه «الإخوان» ومن والاهم وحتى الآن لم يفسر لنا أحد معنى المصطلح، ولم يقل لنا أحد: مَن هم أعداء الإسلام والمسلمين؟ ولماذا هم أعداء قوم لا جدوى من معاداتهم ولا قيمة لمصادقتهم والتحالف معهم؟ ولماذا يكرهك ويعاديك من هو أقوى وأغنى وأفضل منك؟ المفروض أن يكره الضعيفُ القوي، وأن يكره الفقيرُ الغني، وأن يكره الأسوأ الأفضل حسداً من عند أنفسهم، وبالتالي نحن أعداء الغرب وليس الغرب عدونا، لكننا قوم مكابرون، ولأننا لا نتأمل ولا نعيد النظر أصبحت الخطايا مسلَّمات، وأصبحت الأمة أمة ببغاوات تقول ما لا تفهم وتردد ما لا تعي.. وأمة غربان تنعق بما لا تسمع، وأمة منافقين تقول ما لا تفعل، وتسبّ بلا هدى ولا كتاب منير.

و«الإخوان» ومَنْ والاهم، ووُلد من رحمهم هم الذين وضعوا المقابلة الخاطئة بين المسلمين والكفار، وأوهموا الناس المغيبين في الأمة بأن مضاد المسلم هو الكافر، وهذا خطأ غبي أو متعمَّد، لأن المقابلة الصحيحة هي بين المؤمن والكافر، وليست بين المسلم والكافر. والعالم الآن ليس فيه مؤمنون وكفرة، بل فيه منافقون ضد منافقين. فالحروب والصراعات الآن بين منافقين، وليست بين مؤمنين وكفرة. والنفاق هو الدين الموحد للجميع الآن سواء كانوا مسلمين، أو نصارى، أو يهوداً، أو حتى لا دينيين.

وهذه المقابلة الخاطئة بين المسلم والكافر هي التي ولّدت نظرية أو فكرة أو مصطلح أعداء الإسلام والمسلمين، فالعالم كله كفرة، ومن الطبيعي أن يعادي المسلمين والإسلام، ولو اعتمد الناس في هذه الأمة المقابلة الصحيحة، وهي المؤمن في مقابل الكافر لسقطت نظرية أو فكرة أعداء الإسلام والمسلمين، لأن كل اتباع الديانات السماوية بينهم مؤمنون وغير مؤمنين، هناك مؤمنون نصارى، ومؤمنون يهود، ومؤمنون مسلمون، وهناك غير مؤمنين أو هناك منافقون نصارى ويهود ومسلمون. واستشهاد البعض بقول الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا...)، «سورة المائدة: الآية 82»، استشهاد خاطئ على عداء اليهود للمسلمين.. والحق أنه عداء اليهود للذين آمنوا وليس للذين أسلموا.. أي عداء اليهود حتى للمؤمنين منهم.. وكل المنافقين أعداء للذين آمنوا من أي دين أو عقيدة.. والله تعالى يقول: (... وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا...)، «سور النساء: الآية 94»، فالإيمان هو حكم الله تعالى على العبد وليس حكم العبد على العبد.. كما يستشهد الإرهابيون بقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...)، «سورة الأنفال: الآية 60»، على أساس أنها دعوة للحرب ضد أعداء الإسلام والمسلمين.. والحق أنها دعوة لتجنب الحرب ومنعها.. لأن الإعداد والاستعداد للحرب هو الوسيلة الأهم والأجدى لمنع الحرب.. أن تقوّي نفسك ليخشاك عدوك ولا يحاربك.. (... وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، «سورة البقرة: الآية 190».. ضعفك واسترخاؤك هو الذي يغري عدوك.. لأنه يواجهك بالدبابة وأنت تواجهه بالسبابة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا