• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

المغرب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 يوليو 2014

عبداللطيف فدواش (الدار البيضاء)

قرر ملك المغرب محمد السادس، حظر النشاط السياسي وأيضا، النقابي، على القيمين الدينيين والخطباء (القائمين على الشأن الديني)، لتحييد المساجد قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والتي ستنطلق في يونيو (حزيران) 2015، من انتخابات جماعية (محلية)، ومهنية (انتخابات المهنيين) وغرفهم الصناعة والتجارة والخدمات، والفلاحة، والصناعة التقليدية، والصيد البحري، ثم الانتخابات التشريعية، لمجلسي النواب (الغرفة الأولى) والمستشارين (الغرفة الثانية).

اتهامات بالكفر والإلحاد

والقرار لم يأت فقط، حسب فاعلين سياسيين ونقابيين، للحيلولة دون تأثير الخطباء والقائمين على الشأن الديني، على الناخب، وتوجيهه للتصويت على حزب دون آخر، خاصة تلك الأحزاب، التي تتبنى توجها دينيا، الحزب الحاكم العدالة والتنمية، بقيادة رئيس الحكومة، عبدالإله بنكيران، وحزب الفضيلة، لكن أيضا من أجل إبعاد المساجد عن الأمور السياسية، خصوصا أن بعض خطباء المساجد كانوا «المدرسة الأولى» لتكوين «إرهابيين»، ونشر الفكر السلفي الجهادي، وتخرج على أيديهم من انتحاريين شاركوا في تفجيرات 16 مايو (أيار) 2003، التي طالت مواقع سياحية وفنادق ومطاعم في الدار البيضاء وخلفت قتلى وجرحى.

كما أن منع القيمين على الشأن الديني من ممارسة السياسة، حسب الظهير الشريف نفسه، من شأنه أن يحد من التوتر الذي تشهده الساحة السياسية بين فقهاء وخطباء وسياسيين، إذ إن بعض الخطباء استغلوا منابر مساجد الله لإصدار فتاوى تكفر بعض رجال السياسة أو تهدر دم بعض المثقفين، كان آخرها اتهام الشيخ أبو النعيم عبد الحميد، الذي ذاع صيته في المغرب، لإدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (معارضة) بالكفر، كما اتهم أعضاء الحزب وقادته التاريخيين بالإلحاد، وعضواته بالزانيات، ما جعل القضاء يتدخل في الموضوع.

سياسيون أم خطباء؟

وإذا كان البعض يربط خروج هذا الظهير الشريف في هذا التوقيت بالذات تقييد للخطباء، وحرية الإدلاء بآرائهم في الشأن الديني في علاقته بالشأن العام، خاصة أن لبعضهم انتماءات حزبية، وبالتحديد للأحزاب ذات التوجه الإسلامي، «العدالة والتنمية»، و»الفضيلة»، وبعضهم للحزب التاريخي «الاستقلال»، في ارتباط مع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فإن لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، رأي آخر، حين نفى في ندوة صحفية، الأسبوع الماضي، في العاصمة الرباط، أن تكون الاستحقاقات الانتخابية وراء قرار إصدار هذا الظهير، وقال إن الوزارة اشتغلت على هذا الظهير منذ سنوات، «وليس بالإمكان إصداره بين عشية وضحاها، ولم نصدره لأن الانتخابات قريبة، فالمغرب يمارس الانتخابات منذ خمسين سنة»، موضحا، في هذا الصدد، أن «وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تصدر، كلما اقتربت الانتخابات، مذكرة وزارية من أجل تنبيه الأئمة لعدم الخوض في السياسة، وإخبار كل من يرغب في الترشح بأن يقدم استقالته من الخطابة».

الوزير الحالي لم يأت بجديد في هذا الشأن، بل هو يشرح ويوضح سياسة الوزارة التي دأبت على تطبيقها منذ سنوات، خلت، حيث سبق للوزير عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، أن رد في جواب على سؤال لأحد النواب البرلمانيين، بمجلس النواب، حول أسباب قرار توقيف بعض الخطباء، «لن أترك خطيبا برلمانيا، أو زعيما حزبيا يخطب الجمعة».

هذا النهج يسير عليه الوزير الحالي، أحمد التوفيق، وهو ينبثق عن توجه عام للمملكة، التي يمنع دستورها، بما فيه المعدل في عام 2011، عقب ما سمي بـ «الربيع العربي»، وتحرك الشارع المغربي، في إطار ما يعرف بحركة 20 فبراير (شباط)، الذي يمنع تأسيس الأحزاب على خلفية دينية أو عرقية، حيث قال وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في الندوة الصحفية ذاتها، إنه لا يخاف على الدين من السياسة، وإنما يخاف على السياسة من الدين حتى لا تفسد، مشيرا، في الإطار ذاته، إلى أن «الإمام مواطن يَنتخب ويقترح وقلبه وهواه الله أعلم بهما، ولكن أن يكون في المسجد ممثل لهذا التيار أو ذلك فهذا غير متناسب، لكون المسجد يأتيه جميع الناس من جميع الأطياف»، موضحا بصدد بعض القيمين الدينيين المنتمين إلى أحزاب سياسية أن «هؤلاء قلة قليلة، ونحن نعرف أحزابهم، ولا مشكلة لدينا مع الانتماء، ولكن هذا يؤثر على الناس الذين يتلقون خطبهم».

خارج رهانات السياسة

من جانبهم يشدد السياسيون وفعاليات المجتمع المدني، على ضرورة تحرير المجال الديني من السياسة، خاصة في جانبها الحزبي، وفي هذا الإطار قال القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي (معارضة)، عبدالحميد الجماهري: إن «الظهير وتطبيقاته تقنينا لواقع بدأ يتكرس منذ مدة بناء على الحرص الكبير من طرف الدولة ومكونات المجتمع التعددية على تحرير التدين المغربي وفضاءاته من التسييس المؤدلج».

وأوضح الجماهيري أن «السياق الذي يرد فيه هدا الظهير، والحيثيات التي ترافقه أحيانا، دون الكشف عن نفسها صراحة، يعطيان كامل المعنى لإصداره، في هذا الظرف بالذات»، مستشهدا أولا، بـ»تزايد الإقبال على التجربة المغربية في هذا المجال، (دوليا) بلجيكا نموذجا، (وعربيا) تونس بعد الثورة، (وإفريقيا) مالي وغينيا (لاسيما في الدول التي تعاني من ويلات التطرف، والاستعمال السياسي للدين) ما يزكي أطروحة المغرب ونجاعة تدبيره للحقل الديني»، وثانيا، بما اعتبره، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، «قيام الدليل على إن التجربة المغربية في تدبير الحقل الروحي أصبحت ـ على عكس كل التوقعات التي أعقبت الربيع العربي- هي التجربة النموذجية للخروج من استعصاءات العلاقة بين الدين والسياسة في العالم العربي، بعد بروز التيار الديني كتيار مهيمن على الحقل العمومي. ونزوعه المتزايد نحو طقسنة كل فضاءات التعبد».

أما النقطة الثالثة التي وضح نجاعة الخيار المغربي، بمنع الأئمة وخطباء المساجد من ممارسة السياسة، حسب الجماهيري، أن لـ»الحقل السياسي إبدالاته، التي حددها الدستور، وأصبح لإمارة المؤمنين مجالا محددا دستوريا بعد تعديل الفصل 19 الشهير (الذي كان يحدد صلاحيات الملك)، وهو ما يجعل الفضاء الديني خارج الرهانات السياسية، مع ما يحيل عليه ذلك من تجارب قريبة جغرافيا، ما زالت تعاني من هذا التداخل الذي أدى إلى الانفلات».

التأطير الديني المتنور

من جانبه، لم يختلف العربي حبشي، القيادي بالمركزية النقابية الفدرالية الديمقراطية للشغل، المقربة من اليسار، مع عبدالحميد الجماهيري، حين وصف قرار منع رجال الدين من التدخل في السياسة، وفقا للظهير الملكي، بـ»القرار الصائب»، وذلك لعدة اعتبارات، «أهمها عدم توظيف الدين، وجعله طرفا في الصراع السياسي، الذي يجب أن يكون مبنيا على تفاعل الأفكار والبرامج في جميع المجالات».

لكن يضع حبشي، البرلماني بالغرفة الثانية (مجلس المستشارين)، شروطا لنجاح خيار حياد الديني عن السياسي أو ما اعتبره عدم استغلال الدين لأهداف سياسية، تتلخص في «مقاربة شمولية، تتجلى أساسا في العناصر التالية: تشجيع التأطير الحزبي، والنقابي، والمدني الجاد، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للتنظيمات، إضافة إلى إصلاح منظومة التعليم والتربية والتكوين، وسن سياسية اقتصادية واجتماعية تنتج الثروة، وتقلص من الفوارق عبر توزيع عادل للنمو، وتضع حدا الإحساس بالغبن والحكرة (الاحتقار)، وتأطير ديني متنور، بطرق عصرية مبني على التسامح والمرونة، والتعاون والأخوة، وإقرار المزيد من الحريات العامة، وتطوير البناء الديمقراطي، والحق في الاختلاف، المبني على الاحترام في إطار الثوابت الكبرى المتوافق حولها».

شحن الناس ولّد الإرهاب

أما حركة أنفاس الديمقراطية، الحديثة النشأة، والتي تتبنى الحداثة والديمقراطية في توجهاتها العامة، التي اختارت، حسب منسقها الوطني، منير بنصالح، منذ الإعلان عن تأسيسها، أن «توضح اختياراتها الفكرية والسياسية التي تنتصر للديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية». لذا يضيف بنصالح أن أنفاس «عبرت بكل وضوح، ورفعا لكل لبس عن أهداف الدمقرطة»، وأن «الديمقراطية بقدر ما هي نظام مبني على التنافس الانتخابي فهي شكل مجتمعي مبني على منظومة قيم». وقال بنصالح، الرئيس السابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، فرع الدار البيضاء، إن «المفهومين متلازمين ولا يمكن أن نسير بواحد دون الآخر»، مشيرا إلى أن أنفاس تعمل على «بناء مغرب يمتع فيه كل المواطنين بجميع الحقوق الإنسانية، كما هو متعارف عليها كونيا... ويحترم فيه مبدأ المساواة بين الرجل و المرأة، وحق الاختلاف، وتتاح فيه إمكانية العيش المشترك، وتضمن فيه حقوق الأقليات (الدينية، العرقية...)، في إطار دولة مدنية تفصل الدين عن الدولة وتضمن حرية الاعتقاد والممارسة الدينية للجميع».

واعتبر بنصالح أن «إقحام الدين واستغلاله في ممارسة السياسة، التي هي بطبيعتها متغيرة، هو أولا مضر بالدين، لما فيه من إساءة له عبر تحوير أفكاره، وعقائده، لخدمة فئة في مواجهة أخرى، وثانيا، مصدر للفتن الدينية ومشجعا للتطرف، والعنف، والإقصاء»، مستحضرا كل الأحداث الإرهابية التي استهدفت المغرب ودول أخرى، من خلال «شحن الناس» من طرف «شيوخ وأئمة» «متطرفين بغرض سياسي»، وثالثا، يضيف بنصالح: إن إقحام الدين واستغلاله في الممارسة السياسية، «هو مصدر لتفتيت الدول، عبر اعتبار كل جهة أنها الأحق بالحكم، من منظورها الديني، المؤول لصالحها طبعا».

سلطة «لست عليهم بمسيطر»

من جهته، حاول سعيد رحيم، نقابي في الاتحاد المغربي للشغل، أقوى مركزية نقابية في المغرب، أن يعالج القضية من منظورها العام، لأن الأمر، من وجهة نظره، «لا يتعلق فقط بالديانة الإسلامية، لأن التجارب البشرية عبر التاريخ أكدت أن تدخل الدين في السياسة، غالبا ما يؤدي إلى إقامة أنظمة إقصائية»، ومن «يتحدث عن الإقصاء يتحدث عن شكل من أشكال العنصرية. أي عدم الاعتراف بالآخر. وهذا يشبه تماما إقامة أنظمة على أساس العرق أو اللون أو اللغة والفكر».

وتابع رحيم، المعتقل اليساري السابق، أنه «قبل النظر إلى الظهير (أي الظهير الملكي الذي يمنع الأئمة وخطباء المساجد من التدخل في الشؤون السياسية) لا بد من إثارة الانتباه إلى استغلال الصهيونية للديانة اليهودية، من أجل إقامة نظام الفصل العنصري الديني في فلسطين، كما استعمل تمييز اللون، من قبل البيض لإقامة النظام العنصري البائد في جنوب إفريفيا»، وفي الإطار ذاته، يضيف «كما استعملت الديانة المسيحية من قبل رجال الكنيسة لإقامة نظام الإقطاع أو النظام الفيودالي في أوروبا، أو الهندوسية لقهر المسلمين في جنوب شرف آسيا، وكذلك استعمل الدين الإسلامي من طرف جماعة الإخوان في مصر لإقصاء الأقليات والتوغل في دواليب الدولة باسم الدين».

وأكد رحيم على ضوء تلك النماذج، التي وصفها بـ»الإقصائية» يمكن قراءة الظهير الملكي المانع للقيمين الدينيين من التدخل في الشؤون السياسية، كما أن التعقيدات التي طرحتها النماذج السالفة الذكر، إضافة «إلى الصرخة الجديدة لـ(داعش) كتنظيم إقصائي قائم على الإرهاب والقتل وسفك الدماء، يقال عنه ما يقال عن العنصرية، يعطي المبرر لهذا الذي كان من المفترض أن يأتي تلقائيا من رجال الدين للنأي بأنفسهم عن التدخل في الشؤون السياسية».

وأشار رحيم إلى أن إقحام الدين في السياسة سوف يجعل منه سلطة «لست عليهم بمسيطر» في حين على الدين أن يشكل رافدا من روافد الحكمة لدى المجتمعات والأفراد في إطار العلاقة الخاصة بين الإنسان وخلقه لا غير».

كيف تستغل الانتخابات؟

واعتبر أحمد سالم لطافي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، (أغلبية حكومية) أن «القرار الملكي بمنع القيمين الدينيين من ممارسة السياسة، خطوة جديدة، ومهمة جدا في التعامل مع وضعية طالت، هي وضعية استغلال الدين للسياسة.

ولم يفت القيادي في حزب التقدم والاشتراكية، الحليف الأساسي لحزب العدالة والتنمية، ذي التوجه الإسلامي، والقائد الحالي للحكومة المغربية، أن يذكر بما شهدته الاستحقاقات الانتخابية من خروقات، حين يلتئم المصلون لأداء الصلاة في المساجد فجرا، أو ظهرا وعصرا، يوم الجمعة، اليوم المخصص للتصويت في الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب، ويتوجهون جماعات، بتوجيه من الخطيب أو الإمام للتصويت على لون حزبي، ويقصد، دون ذكره بالاسم، حزب العدالة والتنمية.

وأضاف لطافي: إن القرار الملكي بمنع القيمين الدينيين من الخوض في الشأن السياسي يمكن أن يكون له انعكاس، ليس فقط على هؤلاء القيمين، إنما أيضا، على مجالات أخرى، ليس فقط في المساجد، بل أيضا، ممكن أن يشمل أحزابا سياسية، وسياسيين خارج الأماكن الدينية المقدسة، يستغلون الدين لأغراض سياسية.

ويبقى القرار الملكي، الذي لم يكن وليد الصدفة، ولا وليد اليوم، ولكن نتيجة تراكمات، وتطلب إعداده الشهور، جاء في مرحلة دقيقية، حيت لم تمض سوى أيام قليلة، حتى خرج وزير الداخلية، محمد حصاد، الخميس 10 يوليوز 2014، خلال اجتماع مجلس الحكومة الأسبوعي، كون المغرب مهدد في أمنه، من خلال معلومات استخباراتية متوفرة تفيد بوجود «تهديد إرهابي جدي موجه ضد المملكة»، يرتبط خصوصا بتزايد عدد المغاربة المنتمين إلى صفوف التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق.

أمام تنامي ظاهرة السلفية، خاصة التي تطلق على نفسها «الجهادية»، وهجرة مغاربة لـ«الجهاد» في سوريا والعراق، ومع تنامي ظاهرة تكفير سياسيين، ورجالات الدولة، ومثقفين، وبروز أئمة وخطباء مساجد، يساندون، صراحة، وعلانية في بيوت الله حزبا سياسيا، وينتقدون آخر، بل يكفرون قادته، ظهرت الحاجة إلى إعادة تنظيم الشأن الديني في المغرب، للحد من الظاهرة، وعدم تكرار تجربة الأحداث الإرهابية التي جرت يوم 16 مايو (أيار) 2003، والتي سقط فيها ضحايا من قتلى وجرحى.

قيادات سياسية ومدنية مغربية تؤيد قرار محمد السادس منع أئمة المساجد من الخوض

في الشؤون السياسية

زعماء أحزاب سياسية أم خطباء مساجد؟

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا