• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

التجارة البينية بين دول الجنوب، وإنْ زادت إلى نسبة 57% عام 2012 عن 42% عام 1995، فإنها لا تبلغ أكثر من نصف تجارة الصين العالمية

حرب الهيمنة التجارية... في الفكر الأفريقي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 16 فبراير 2016

حلمي شعراوي*

اعتدنا تقديم المفكرين في الغالب من ميادين الفلسفة أو الأدب والسياسة، ويسري ذلك بوفرة في المجال الأفريقي، وحتى العالم الثالث، مع أن الاقتصاد يجمع من المفكرين من يشاركون أكثر من غيرهم في مسيرة تغيير العالم والنظام الوطني أو العالمي، ولولا الاقتصاد السياسي الذي وضع أسماء مثل «سمير أمين»، أو «أمارتيا سين» في مصاف المفكرين السياسيين أو الاجتماعيين، ما كنا سمعنا كثيراً – في العالم العربي – عن هذه الأسماء، رغم ما لديهم من إنتاج وفير بكل اللغات.

هذا هو شأن صاحبنا أيضاً الأستاذ الدكتور «ياش تاندون» ‏Yash Tandon ‬الذي ‬أمضى ‬أكثر ‬من ‬أربعين ‬عاماً ‬الآن ‬كاتباً ‬ومحاوراً ‬في ‬قضايا ‬أفريقيا ‬والعالم ‬الثالث، ‬منذ ‬كان ‬مدرساً ‬شاباً ‬في ‬أوغندا ‬- ‬جامعة ‬ماكاريري– ‬وهو ‬من ‬أصل ‬هندي ‬، ‬حتى ‬صار ‬أستاذاً ‬في ‬جامعة «‬دار ‬السلام» ‬بتنزانيا ‬في ‬الستينيات ‬ومستشاراً ‬دولياً، ‬ومتخصصاً ‬في ‬قضايا ‬التفاوض ‬الاقتصادي، ‬والأرض ‬الزراعية، ‬ثم ‬رئيساً ‬لمركز «‬الجنوب» ‬بسويسرا، ‬واستشارياً ‬لحكومات «‬زيمبابوي»‬، ‬ومجموعة ‬شرقي ‬أفريقيا، وأخيراً ‬أستاذاً ‬بجامعة «‬لندن»، وهو ‬يتابع ‬حركة ‬العالم ‬الثالث ‬تجاه ‬الشمال ‬بالكتابة ‬والمحاضرة، ‬وخاصة ‬حول ‬قضايا ‬الديون، ‬والمساعدات ‬الأجنبية ‬التي ‬يستغلها «‬الشمال» ‬ضد ‬شعوب ‬الجنوب، ‬وخاصة ‬عبر ‬قواعد «‬منظمة ‬التجارة ‬العالمية». آخر اجتهادات «ياش تاندون» في هذا الصدد – بعد كتابه المهم عن «نهاية المساعدات» الأجنبية أو تشوه مصائرها – كان ما أرسله لي مؤخراً وهو كتاب «التجارة حرب: وبعنوان فرعي: حرب الغرب ضد العالم...» !‏Trade is war‭ ‬:‭ ‬The West، s‭ ‬War‭ ‬against The World‭ ‬والذى ‬نشرته ‬دار ‬OR، وتبادلنا الأمل في أن ينشر مترجماً إلى العربية، لشعوره الشخصي بأن المعركة تخص شعوب منطقتنا، مثلما هي رئيسية بوجه خاص بالنسبة للشعوب الأفريقية، وبقية شعوب الجنوب.

والكتاب يعبر عن خبرات «ياش تاندون» المباشرة مع بعض حكومات شرق أفريقيا، وزيمبابوي، مهتماً بكشف آليات الحرب الضروس على مقدرات شعوب الجنوب، تحت شعارات مثل تنمية التجارة التبادلية، أو الشراكة، ثم تنتهي بقواعد للتجارة العالمية تتيح اختراق كل حدود الجنوب وجماركها، ولكنها تتيح أيضاً حماية دول كبرى من أغنى دول العالم لمنتجاتها وزراعاتها، بصراحة تصل لحد «الوقاحة الدولية» إن صح التعبير، كما يمكن أن نرى بالنسبة للقطن والسكر، والكاكاو والبن... الخ.

وهو يلفت النظر إلى أنها ليست معركة التبادل التجاري في هذا المجال، وإلا نجحت مواقف الاكتفاء الذاتي، أو فرض الحمايات الوطنية... الخ، ولكنه يوجه إلى علاقة قواعد التجارة نفسها بقضايا الصحة والغذاء، والمياه، وما يسمى بمقابل مساعدات التنمية... أي أنها تتعلق بكل جوانب الحياة، في حرب ضروس ضد إمكانية شعوب العالم الثالث في التنمية، وحتى في المجال التجاري البحت، يستعين «تاندون» بما يكتبه مفكر أفريقي آخر مثل «كارلوس لوبيز» (من غينيا بيساو)، والذي يتولى الأمانة التنفيذية للجنة الاقتصادية لأفريقيا (أديس أبابا)، حيث يرى أن التجارة البينية بين دول الجنوب، وإنْ زادت إلى نسبة 57% العام 2012 عن 42% العام 1995، فإنها لا تبلغ أكثر من نصف تجارة الصين العالمية، ولا تزيد عن 4,7 تريليون دولار، بينما التجارة العالمية تصل إلى 18 تريليون بفضل هيمنة «الشمال» على هذه التجارة، لكن «كارلوس لوبيز» يبدو متفائلاً بدخول مجموعة «بريكس» مجتمعة لهذه الحلبة من السباق، بينما يضع «تاندون» كثيراً من المحاذير حول هذا التفاؤل، بل إن «تاندون» يجادل تفاؤلاً آخر لرئيسة صندوق النقد الدولي «كريستين لاجارد» (فبراير 2014)، حول ما تسببه الدول الكبرى من إفقار لشعوب الجنوب بسبب مركزية القرار الرأسمالي، وترى ضرورة أن تدفع تحديات القرن الحادي والعشرين إلى نوع من التعددية في النظام الرأسمالي العالمي يخفف هذه السياسات الغربية، وهنا يرى «تاندون» – مثل صديقه «سمير أمين»، أن الرأسمالية تمضي إلى طريق مسدود، ولن تسمح بتعددية المراكز رغم مشاهدتها حركة الصين ومجموعة «بريكس» أمامها.

ويبدو أن «ياش تاندون» يتفاءل من أن اعتماد مركز العولمة الغربي في الولايات المتحدة على القوة العسكرية، لا يمكن أن يحقق تقدماً «إصلاحياً» على نحو ما ترى «كريستين لاجارد»، لأن الولايات المتحدة تقيم رأسماليتها على أساس قوتها العسكرية، وليست الاقتصادية بالأساس. أو أن إنتاجها العسكري هو محور القوة والتجارة في آن، إذ يبلغ إنفاقها العسكري 682 مليار دولار، بما يزيد على إنفاق أكبر عشر دول في العالم العام 2012، والذي يقف عند 652 مليار دولار! بما فيها روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي الكبرى والسعودية والهند واليابان!

من أجل ذلك يرصد «ياش تاندون» أشكال إجبار الدول الصغيرة على الطاعة، وتساعده الأمثلة الأفريقية، من تغيرات الحكم في الصومال، إلى التفاوض مع جنوب أفريقيا لتصفية حكم «موجابي» في زيمبابوي، إلى فرض شروط الشراكة «ومساعدات التنمية» في نيجيريا وشرقي أفريقيا، باتفاقيات متعددة الوجوه.

يفرد «تاندون» فصولاً في كتابه لأوجه المقاومة، ودور المجتمع المدني في تعطيل بعض الاتفاقيات، وظهور بوادر قوة عند بعض مجموعات الجنوب وخاصة «بريكس»، لكنه يسجل التحذير الدائم من قوة توحد «الشمال» (رغم بداية ضعفه)، مقابل استمرار ضعف كتلة الجنوب، آملًا في نجاح محاولة الجنوب لفرض مراكز متعددة لتنمية جديدة حتى وإنْ بدأت رأسمالية، لأننا «في حاجة إلى: أكثر من قارب في المحيط» على حد تعبيره، مقابل سفينة الرأسمالية المكتسحة.

*مدير مركز البحوث العربية

والأفريقية - القاهرة

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا