• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م
  02:16    الجبير في مؤتمر المعارضة السورية بالرياض: لا حل للأزمة دون توافق سوري        02:25    وسائل إعلام في زيمبابوي: خليفة موجابي سيؤدي اليمين الدستورية الجمعة    

الفلسفة والسينما في فكر جيل دولوز

الهيغلية المضادّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 نوفمبر 2017

د. كمال الزغباني

يؤكَد دولوز، منذ استهلال مؤلّـفه الفلسفيّ الأساسيّ «الفرق والمعاودة»، ضرورة أن تبحث الفلسفة عن أساليب وطرائق جديدة في الكتابة، مستفيدة في ذلك من التجديدات الكبرى التي أحرزتها الفنون الحديثة من رواية ومسرح وموسيقا وسينما. وينزّل دولوز هذا التجديد وهذه الاستفادة أوّلاً ضمن ما يسمّيه «الهيغلية المضادّة المعمّمة» الموسومة بتجاوز منطق الهوية المتأسّس على التمثّل والتقابل، وثانياً ضمن البحث النيتشويّ عن أسلوب جديد في التفلسف.

أسوة بنيتشه يجزم دولوز بوجود قرابة أساسية بين الفلسفة والفنون مؤدّاها الأساسي هو أنّ فيلسوف المستقبل هو تحديدا الفيلسوف الفنّان. ولئن كان فنّ الرواية، لاسيما في تعبيراته البورخسية (نسبة إلى الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس)، يحتلّ  مكانة مميّزة في رؤية دولوز التجديدية هذه، فإنّه كان مدركاً منذ البداية ما يمكن للسينما أن تقدّمه للفيلسوف النيتشويّ  المجدّد الذي يرى في فعل التفلسف إبداعاً ويماهي الفكر بالإبداع: «إنّ البحث عن وسائل جديدة للتعبير الفلسفي كان قد دشّن من قبل نيتشه، وينبغي اليوم أن تتمّ متابعته في صلة بالتجديد الذي شهدته بعض الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما». (الفرق والمعاودة، ص4).

علاقة الفلسفيّ بالسينمائيّ

كيف تنتظم علاقة الفلسفيّ بالسينمائيّ عند دولوز؟ وكيف تشكّل لقيا السينما على المستويات الإستيتيقية والمنطقية والإيتيقية - السياسية منعرجاً حاسماً في معالجة دولوز لمسألة صورة الفكر، وإذا كان مفهوم الإبداع بما هو إنشاء للجديد عبر صلة مبتكرة بين الحالي والافتراضي، وإذا كان «الكريستال» بما هو البديل الدولوزي عن مفهوم التخييل هو تحديداً ما يعبّر عن هذه الصلة، فما منزلة الصورة - الكريستال في رؤية دولوز للإبداع السينمائي وللإبداع الفني وللإبداع ببساطة في تواشجه اللامنصرم مع المقاومة، ومن ثمّة في الانخراط الجذري في فكر ثوريّ  مغاير وضمن حداثة مغايرة؟

 لئن كان دولوز الفيلسوف الوحيد الذي أفرد الصورة السينمائية بمؤلَف فلسفيّ مستقلّ (سينما1. الصورة- الحركة وسينما2. الصورة- الزمان)، فإنّ الاهتمام بالسينما لم يكن عنده ترفاً معرفياً. إنه ناجم عن حاجة فلسفية صميمة مرتبطة بانهمام أساسي في فكره: تحطيم الصورة الدوغمائية للفكر التي هيمنت وتهيمن على الفلسفة منذ أفلاطون حتى هيغل. ليس حديث الفيلسوف في السينما إذن متأتّياً من ضرب من التفكّر أو التفكير الانعكاسيّ، وإنما سؤال الفلسفة في السينما هو في الآن ذاته سؤال الفلسفة في الفلسفة: «إن مفاهيم السينما ليست معطاة في السينما. ومع ذلك فهي مفاهيم السينما لا نظريات عن السينما. بحيث توجد دائماً ساعة، لانتصاف النهار أو الليل، حيث لا ينبغي أن يكون السؤال «ما السينما؟» وإنما «ما الفلسفة؟» والسينما ذاتها ممارسة جديدة للصور وللسّمات ينبغي على الفلسفة أن تنشئ لها نظرية باعتبارها ممارسة مفهومية. لأنّ أي تحديد تقني أو تطبيقي (على غرار التحليل النفسي أو الألسنية) أو تفكّري لا يكفي لتشكيل مفاهيم السينما ذاتها» (الصورة-الزمان،ص366). حين طلب إلى دولوز تفسير غياب كتابة فلسفية عن السينما أو فيها، أجاب بأنّ ذلك قد يكون راجعاً لواقعة أنّ الفلسفة كانت لحظة ولادة الفنّ السينمائي منشغلة من جهتها «بوضع الحركة في الفكر مثل ما أنّ السينما كانت تضعها في الصورة» (محادثات ص 82). بين الفلسفة والسينما إذن، كما بين الفلسفة والعلوم أو بين الفلسفة والفنون أو بين الفنون فيما بينها، ثمّة دوماً استقلالية في العناصر والأدوات والتقنيات. ولكن ثمّة أيضاً تفاوتات: «إنّ الصلة بين الفلسفة والسينما هي من صلة الصورة بالمفهوم. لكن هناك في المفهوم ذاته صلة بالصورة كما أنّ في الصورة صلة بالمفهوم: مثلا لقد أرادت السينما دوماً صورة للفكر وميكانيزمات للتفكير. وليست بسبب ذلك مجرّدة، بل العكس هو الصحيح» (المصدر نفسه.)

صورة الفكر، ذاك هو إذن المشغل الفلسفيّ الأساسيّ عند دولوز وذاك هو ما يحرّكه إلى لقاء السينما. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا