• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

الغيطاني.. تدوين الوجود والزمان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 نوفمبر 2017

د. سعيد توفيق

نص الغيطاني، خاصة في دفاتر تدويناته الأخيرة، نص خادع. وأنا أعني بالنص هنا، أسلوب الحكي السائد في مدوناته التي تبدو كما لو كانت نصاً واحداً يتناول موضوعات وتساؤلات شتى. الغالب على النص إمعان النظر في وصف مواقف وأحداث عابرة، وتفاصيل تجارب عادية مما نألفه في حياتنا اليومية، وذلك من قبيل: خبرات الحواس على تنوعها، بل حتى لذة الطعوم ذاتها، ولكن الوقوف عند هذا المستوى البسيط خادع؛ لأنه يحول دون الولوج إلى العالم الروائي الذي يميز «دفاتر التدوين» عند الغيطاني، مثلما يميز كل أدب عظيم.

نص الغيطاني يأخذك إلى عالمه الرحب الذي سوف تجد نفسك بالتأكيد في شيء منه، ربما عايشته يوماً ما أو عايشت شيئاً منه توارى في مملكة الذكريات المطوية، أو تمنيته بالخيال، وفي عالم الأحلام. ولكنك في كل الأحوال لن تتمكن من النفاذ إلى هذا العالم ما لم تتعرف على لغة النص باعتبارها لغة إيحائية مراوغة، بحيث تقول شيئاً وتقصد أشياءً أخرى تتجاوز سطح النص وظاهره.

الوجود

لكن لكل كاتب حقيقي عالمه الخاص، وقيمة الكاتب تُعرف ابتداءً من هذا العالم، من حيث مدى رحابته وعمقه. وربما يعترض هنا بعض المجادلين من دون عِلم قائلين: ليس هناك كاتب أو أديب حقيقي وآخر غير حقيقي، ولا أفضلية لأديب على آخر أو فنان على آخر بما يتناوله كل منهما؛ لأن الموضوعات التي كنا نعتبرها عادية أو تافهة أو حتى صادمة ومقززة، يمكن أن نجدها الآن موضوعًا للفن، (ومن ثم للأدب)، كما أن مذاهب ونظريات الفن فيما يتعلق بالقيمة الفنية والذوق الفني تؤكد على نسبية هذه القيم من الناحية التاريخية والاجتماعية. وكل هذا صحيح، ولكنه لم ينل أبداً من حقيقة وجود قيم فنية وجمالية عليا متواترة عبر العصور والثقافات المتنوعة. أما مناط تلك الحقيقة عندي، فهو أن الأدب العظيم هو ذلك الذي يكون قادراً على النفاذ إلى ظواهر الوجود العام والوجود الإنساني كما تتجلى في تجربة الذات، التي هي تجربة الأديب، من خلال أصغر الأشياء وأكثرها بساطة. إنها تجربة الأسئلة الكبرى كما تتجلى من خلال الأشياء الصغرى المألوفة على نحو يثير دهشتنا. ولا يختلف الأدباء الحقيقيين إلا من حيث مجال تلك الأسئلة المهيمن على وجدانهم وهواجسهم، ومن حيث طرائقهم الخاصة، أعني أساليبهم الفنية في الاقتراب من تلك الأسئلة.

كذلك، فإن الغيطاني يسأل سؤال الوجود على نحو خاص.. على طريقته الخاصة: كيف نقرأ اللامرئي في المرئي، والوجود في العدم أو المعدوم، والحقيقي في المتخيل، والمقيم في الزائل العابر. ذلك هو السؤال الأساسي عند الغيطاني الذي ينبغي أن نتطلع إليه عبر المستوى الظاهر للنص: كل شيء عند الغيطاني هو نافذة أو ممر إلى عالم فسيح رحب.. إلى الوجود ذاته، فهو يجعلنا نتشبث باللحظة وبمتعتها وتألقها، ولكن ما إن نبلغ ذروتها معه حتى يأخذنا إلى شيء آخر يتجاوز تلك اللحظة العابرة إلى ما ورائها!

وإذ كان الغيطاني في تدويناته الأخيرة يسأل السؤال الأساسي: سؤال الوجود، فليس معنى ذلك أن إرهاصات ذلك السؤال لم تلح عليه في أعماله السابقة من قبيل متون الأهرام وغيرها. كما أن الشكل الفني في هذه التدوينات لم يكن هو الآخر مقطوع الصلة بما قبله: فالأسلوب الفني الذي يتخذ شكل رواية السيرة الذاتية حاضر في الأعمال السابقة مباشرة على دفاتر التدوين، خاصة في «الخطوط الفاصلة» و«حكايات المؤسسة». فلو شئنا أن نميز هذه التدوينات الأخيرة عما يسبقها لقلنا: إن أصداء سؤال الوجود هي ما يهيمن عليها ويشكل دافعها الجوهري، كما أن شكل رواية السيرة الذاتية في هذه التدوينات أخذ يميل تدريجيًا نحو التجريد، على نحو تخلصت فيه السيرة الذاتية من واقعيتها المباشرة واختلط فيها الواقعي بالخيالي، واستدعت أدوات «التأمل الانعكاسي» بوصفه طريقة في التفلسف والإبداع الفني معاً، تنعكس فيها الذات على نفسها لتتأمل ماهية الموضوعات التي تتداعى على الوعي، ومنه الذاكرة بوجه خاص. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا