• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

يشير بعض المحللين إلى أن التعليم الجامعي المجاني سيفيد بشكل غير متناسب الأثرياء والشريحة العليا من الطبقة المتوسطة

الفقراء ومجانية التعليم العالي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 نوفمبر 2017

نوح سميث*

للوهلة الأولى تبدو فكرة التعليم المجاني في المعاهد العليا رائعة. وربما يكون هذا ما جعل السياسي الديمقراطي بيرني ساندرز يستطيع أن يثير الحماس للفكرة في حملته الانتخابية الرئاسية عام 2016، بل إنه ما زال يدافع عن هذه الفكرة حتى الآن. وأي شخص اضطر لدفع رسوم دراسية مرتفعة للغاية في جامعة مرموقة، أو يعاني من العبء الثقيل في سداد قروض الطلبة، قد تبدو له فكرة مجانية التعليم العالي كما لو كانت هي طوق نجاة. ولكن الحلم بالتعليم الجامعي المجاني سراب. صحيح أنه يتعين بذل جهد كبير لضبط نظام الجامعات باهظ الكلفة في الولايات المتحدة، وتوفير فرص التعليم العالي لمزيد من الناس، ولكن خططا مثل خطط ساندرز، التي تستهدف إلغاء الرسوم الدراسية من كل الجامعات العامة، ليست أيضاً هي الطريقة الملائمة لتحقيق هذا الغرض.

ويشير بعض المحللين إلى أن التعليم الجامعي المجاني سيفيد بشكل غير متناسب الأثرياء والشريحة العليا من الطبقة المتوسطة. وقد توصل تحليل للباحث «ماتيو تشينجوز» في معهد «بروكينجز» إلى أن الطلاب من الأسر الأعلى دخلاً يميلون عادة للذهاب إلى المدارس الأعلى في الرسوم الدراسية، بينما الطلاب الأفقر يذهبون عادة إلى المدارس الأرخص في الولايات والمعاهد العليا المحلية. وهذا قد يتغير بالطبع لو أصبحت كل المعاهد العليا العامة مجانية، لأن الرسوم التعليمية المرتفعة من بين الأسباب التي تجعل عدداً كبيرا من أبناء الأسر الأقل دخلاً لا يذهبون إلى المدارس مرتفعة التكلفة. ولكنّ هناك أسباباً قد لا تجعل هذا يتغير. وذلك لأن المعاهد العليا المرموقة التي تنفق الكثير من المال على الأساتذة البارزين، ومقر إقامة الطلبة المترف، وأشياء من هذا القبيل، ستظل لديها حوافز قوية لقبول عدد كبير من أبناء الأسر الغنية، لأن هؤلاء الطلبة سيصبحون على الأرجح أثرياء فيما بعد، ولذا فسيقدمون تبرعات كبيرة للخريجين. والرسوم الدراسية، على كل حال، تمثل فقط خمس عائدات الجامعات العامة. وأبناء الأغنياء يحققون غالباً تقديرات أعلى ودرجات أعلى في الاختبارات، ولذا فستقبل الجامعات العامة المزيد منهم كي تحافظ على مكانتها.

ولذا سيقدم التعليم المجاني في المعاهد العليا فوائد كثيرة للأغنياء بينما ستمثل تكلفة السكن والكتب الدراسية والطعام عبئاً كبيراً على الطلاب الأفقر، على رغم إلغاء الرسوم الدراسية في حد ذاتها. ويتوقع أيضاً أن تؤدي مجانية التعليم الجامعي إلى تدهور أوضاع الجامعات في النهاية. فإذا دفعت الحكومة كل الرسوم فهذا سيضطرها إلى وضع حد للإنفاق لتجنب خروج الإنفاق الحكومي عن السيطرة. وقد تتمثل بعض إجراءات تقييد الإنفاق في تقليص رواتب وعدد المديرين. وقد يأتي تقليص التكلفة بلاشك على حساب فرص توظيف أساتذة بارزين ممن يمكنهم الحصول على مرتبات مرتفعة في القطاع الخاص. وقد يأتي أيضاً على حساب الإنفاق على مقرات إقامة الطلاب والمرافق الأخرى المخصصة لهم، أو يأتي كذلك على حساب البحث العلمي رفيع المستوى الذي يجعل الجامعات الأميركية هي الأفضل على مستوى العالم.

والانخفاض في الجودة يقلص الفوائد التي يحصل عليها أبناء الفقراء والطبقة العاملة من الالتحاق بالجامعات العامة. وسيغادر كبار الأساتذة المعاهد العليا العامة للحصول على رواتب أفضل في القطاع الخاص، وسيذهب معهم الطلاب البارزون. ويصبح نظام الجامعات أقرب شبهاً بنظام المدارس العامة، وهي مجانية وشاملة لكنها ليست أداة فعالة للغاية في تحقيق المساواة. وفي نهاية المطاف قد يجد أبناء الأسر الأفقر أن الأمر لا يستحق تضييع الوقت للذهاب إلى هذه المعاهد، بل قد يفضلون الالتحاق بقوة العمل وكسب مبلغ معقول من المال بعد إنهاء فترة الدراسة الثانوية. وهناك دليل يدعم هذه النتيجة. فقد تحولت إنجلترا التي كانت جامعاتها عامة بلا رسوم دراسية إلى نظام الرسوم الدراسية في عام 1998، وزادت هذه الرسوم عدة مرات منذ ذلك الوقت. وقد بحث الاقتصاديون جيل وينيس وريتشارد ميرفي وجوديث سكوت-كلايتون تأثير إلغاء مجانية التعليم الجامعي. وما توصلوا إليه قد يسبب صدمة لأنصار ساندرز.

وقد أشار تحليل الباحثين إلى أنه «منذ الانتقال من نظام تعليم عالٍ مجاني إلى نظام مرتفع الرسوم ومرتفع الدعم، زاد الالتحاق بالجامعات بشكل كبير، وشهدت نسبة الطلاب من أفقر الخلفيات الاجتماعية أسرع زيادة». وتوضح لنا تجربة إنجلترا أن هناك طريقة أفضل بكثير لتقديم فرص للطلاب من الأسر الأقل دخلًا للحصول على تعليم رخيص مرتفع الجودة. فبدلاً من إتاحة التعليم الجامعي للجميع، ركزت إنجلترا على تقديم المساعدات للطلاب من الأسر الأفقر، واستوعبت الأغنياء، ولكنها لم تدعمهم، كما قد يؤدي إلى ذلك خطة ساندرز. وفي النهاية آتت سياسة التعليم الجامعي في إنجلترا أُكلها. ويتعين على الولايات المتحدة اتباع خطى إنجلترا في هذا المجال، لأن فكرة التعليم الجامعي المجاني قد تكون شعاراً جيداً لحملة انتخابية، ولكن هناك أيضاً سياسات أفضل منها بكثير.

*أستاذ التمويل المساعد السابق في جامعة «ستوني بروك» الأميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا