• الثلاثاء 06 محرم 1439هـ - 26 سبتمبر 2017م

مع تعاظم أدوار إيران ميدانياً وروسيا كمفاوض حول مستقبل سوريا.. أصبح نظام الأسد مجرّد صورة وهمية تستخدمها دولٌ لحماية مصالحها

صراع سوريا.. ليس «حرباً أهلية»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 18 ديسمبر 2016

حنين غدّار*

خلال السنوات الخمس الماضية، أصبحت سوريا رمزاً لأشياء كثيرة، أزمة لاجئين، وكابوساً يقضّ مضاجع الغرب، وملاذاً للإرهاب، وساحة لاستعراض القوة الروسية، وموئلاً للطموحات الإيرانية. وأما بالنسبة للمجتمع الدولي فلا ينظر إليها إلا باعتبارها حرباً أهلية. لكن هذا التعريف المبسط للصراع يفتقر إلى الدقة بقدر ما تنطوي على الخطورة، وهو يهدف إلى تبرئة المجتمع الدولي من مسؤولياته، وتمنح بشار الأسد الصفة الشرعية الخادعة، ويعفي روسيا وإيران المتورطتين مباشرة في الصراع من اللوم والانتقاد، ويبرر للفصائل الإرهابية إرهابها.

ولا شك في أن ما يحدث هو حرب ضد الشعب السوري، يخوضها نظام الأسد وحلفاؤه. ونحن نلمس هذه الحقيقة من خلال حصار المدن وقصفها بالصواريخ والقنابل. ووفقاً لما تقوله الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن نظام الأسد قتل 95٪ من الضحايا السوريين، وقصف الأحياء التي شهدت المظاهرات السلمية، واستخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبها، وعمد إلى إطلاق الإسلاميين المتطرفين من سجونه وسمح لهم بتشكيل الفصائل المسلحة، كجزء من استراتيجية ممنهجة لإشعال فتيل الحرب الأهلية ودفع ما تبقى من معالم الثورة الشعبية إلى التطرف. وبعد أن واجه مقاومة عنيفة من فصائل المعارضة المسلحة، سمح لكل من إيران وروسيا بالتدخل لمساعدة نظامه.

ومن الحقائق الماثلة الآن أن جيش الأسد لا يكاد يشارك في الحرب، فمعظم القوات المحاربة على الأرض هي ميليشيات شيعية، منها «حزب الله» اللبناني والحرس الثوري الإيراني مدعومة بسلاح الجو الروسي. كيف يمكننا بعد كل هذا أن نسمي هذا الصراع بأنه حرب أهلية، خاصة أن المعارضة نادراً ما تقاتل قوات سورية موالية للنظام، بل تخوض حرباً مع مقاتلين أجانب في وطنها؟ وهل يكون مثل هذا الصراع حرباً أهلية في الوقت الذي نجد فيه روسيا وإيران ودول «الناتو» متورطة فيه بطريقة أو بأخرى؟

وتنطوي تسمية هذا الصراع بالحرب الأهلية على نتائج وتداعيات سياسية خطيرة. فهي تحمي الأسد من تهمة الاستبداد وتستبدله بصورة الرجل الذي يمكنه تحقيق الاستقرار. كما تعطي الانطباع بأن الصراع داخلي، بما يسمح للقوى الغربية والمنظمات الدولية بالتملّص من اتخاذ موقف منه. ونتيجة لهذا التنصل من العمل، شهد العالم أوسع هجرة جماعية للاجئين السوريين.

وعادة ما تنطوي المساواة بين القاتل والضحية على تحديات أخلاقية تؤدي في نهاية المطاف إلى شرعنة جرائم القتل ضد الإنسانية. ولقد دأب هذا النظام على تبنّي الخيار العسكري، ولم يفضل أبداً التفاوض على العنف.

واليوم، وبعد أن أصبحت إيران هي الآمر الناهي في ميادين المعارك، فيما تتكفل روسيا بلعب دور الطرف المفاوض مع المجتمع الدولي حول مستقبل سوريا، فإن الشي الوحيد الذي بقي للنظام هو مجرّد صورة وهمية تستخدمها بعض الدول لحماية مصالحها.

لذلك فالذي يحدث في سوريا ليس حرباً أهلية. وعندما نتوقف عن نعت ما يحدث بهذا الوصف، قد نتمكن عندئذ من فهم تاريخ واستراتيجية النظام وأهدافه الحقيقية.

*كاتبة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا