• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

عمالقة التجارة الإلكترونية في الهند قلقون من كون الرأسمالية التي تتجاوز القومية، أصبحت واضحة في عدة قطاعات أخرى من الاقتصاد الهندي

مستثمرو الهند.. والقلق من الاستثمار الأجنبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 ديسمبر 2016

ميهير شارما*

خسر عملاق التجارة الإلكترونية الهندي «فليبكارت أونلاين سيرفيسز» 23 مليار روبية العام الماضي، وتحول المشارك في تأسيسها ورئيسها «ساتشين بانسال» فجأة إلى مدافع كبير عن الشركات المحلية. وأعلن أمام جمهور في بنجالور الأسبوع الماضي أن « علينا تبني نهج يتمركز أكثر حول الهند» في التشريعات.

و«بانسال» يتزعم مسعى لكسب دعم الحكومة الهندية لإضافة حواجز جديدة أمام المنافسين الأجانب. وهو يحتج بأمثلة عالمية كثيرة منها دونالد ترامب والصين. وأعلن أن «ما نحتاج إليه هو ما فعلته الصين بأن نخبر العالم أننا نحتاج إلى رأس مالكم لكننا لا نريد شركاتكم». وانضم إلى المسعى «بهافيش آجاروال» المساهم في تأسيس وكبير المديرين التنفيذيين في شركة «أولا» لخدمات سيارات الأجرة التي خسرت ثمانية مليارات روبية العام الماضي. وشكا آجاروال في الاجتماع نفسه في بنجالور أيضاً أن «الأسواق يفسدها رأس المال» الأجنبي.

والجسارة في العرض هنا استثنائية حقاً. فمن المفترض أن مبلغ 1.3 مليار دولار الذي حصلت عليه شركة «أولا» من البنك الياباني «سوفتبنك» لم تفسد السوق بدرجة كبيرة كما يروق لـ «آجاروال»، ومن الواضح أن لا «آجاروال» ولا «بانسال» يتحدثان باعتبارهما مراقبين بلا مصلحة لنظرية اقتصادية، لكن كمستثمرين منخرطين في منافسة شرسة مع شركة «أوبر تكنولوجيز» بالنسبة لشركة «آجاروال» وشركة «أمازون إنديا المحدودة» بالنسبة لشركة «بانسال»، وهما يستخدمان تعريفاً غريباً لما هو هندي. فالشركة الأم لفليبكارت على سبيل المثال موجودة في سنغافورة التي هي بحد علمي ليست إحدى ولايات جمهورية الهند! وهذا ينطبق على شركة «جروفرز» الناشئة لتوصيل المنتجات الزراعية وبرنامج «براكتو» للعثور على أطباء وغيرها.

فإذا حققت شركة «فليبكارت» ذات يوم أرباحاً فمن المفترض أن سنغافورة ستستفيد ولن تنال الحكومة الهندية شيئاً. ومن المؤكد للغاية أن شركة «أمازون إنديا» مسجلة في الهند في «بنجالور»، أي ليس ببعيد من المكان الذي ينتقد فيه «بانسال» بشدة الشركة بسبب جذورها الأجنبية. والدعوة إلى «ساحة لعب متساوية» للشركات الهندية مبهمة أصلاً. فقد وجدت الشركات الغربية صعوبة أكبر من المنافسين المحليين في التعامل مع الجهات التنظيمية الهندية. ومن الأمثلة المعروفة جيداً، منحت حكومة ولاية «كارناتاكا» في جنوب الهند شركة «أولا» ترخيصاً لكنها لم تمنح شركة «أوبر» ترخيصاً لأسباب إجرائية تافهة فيما يبدو، وهو ما يقرع أجراس الخطر.

والإحساس بالصواب الذاتي الذي يتملك شركات التكنولوجيا الممولة والمسجلة في الخارج هذه غير مقبول بشكل خاص فيما يبدو، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الشركات «مفسدة» مثل أي شركات أخرى متعددة الجنسيات. وتأمل شركة فليبكارت أن يخرج من السوق تجار التجزئة الصغار. فقد التهمت شركة «أولا» شركات سيارات الأجرة المحلية الصغيرة. وهذه الشركات حين تدافع عن نماذج نشاطهم الاقتصادي ويقفون ضد اللوائح التي عفا عليها الزمن يقدمون حججاً قوية حقا بأنهم يوفرون فوائد كبيرة للمستهلكين الهنود. ولذا فمن العبث قليلاً أن يطالبوا بفرض قيود على الشركات الأخرى لمجرد أن المستهلكين ذاتهم يفضلون هذه الشركات في رحلاتهم. وإذا كانت شركة «أولا» تريد التفوق على «أوبر»، فيجب عليها التركيز على أسباب خسارتها أكثر من التركيز على رأس المال الأجنبي. وهذا لأن سيارات «أوبر» تتمتع بسمعة أنها أنظف وأكثر كفاءة، وأن سائقيها أكثر تهذيبا وأفضل تدريباً من سائقي شركة «أولا».

والمثير للقلق بشكل أكبر هو أن طلب عمالقة التجارة الإلكترونية الهندية يأتي في وقت قد يجد آذاناً صاغية لدى الحكومة. فالرأسمالية التي تتجاوز القومية أصبحت واضحة في عدة قطاعات أخرى من الاقتصاد الهندي. وحتى في التجارة الإلكترونية تذعن الحكومة دوماً للمشاعر الوطنية بإقرار قوانين تعرقل النموذج الاقتصادي مما يعني عدم السماح للاستثمارات الأجنبية إلا بدخول أماكن السوق على الإنترنت فقط. وحكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي منذ أن جاءت إلى السلطة جعلت من دعم الاستثمار في الهند أولوية. لكن برنامج مودي الخاص بـ «اصنع في الهند» قريب بالفعل بشكل خطير من أن يصبح حملة للحمائية وليس برنامجاً يزيد انفتاح الهند باعتبارها مقصداً للاستثمار. وآخر ما تحتاجه الهند هو أن توحي للمستثمرين المحتملين بأن منافسيهم الهنود قد ينجحون في استخدام الشعور القومي ضدهم. وهذا صحيح بشكل خاص في التجارة الإلكترونية. فالأموال التي تتدفق في هذا القطاع كان من بين التطورات القليلة التي سمحت للحكومة بأن تزعم أن الاستثمار في الهند ينمو وليس راكداً. وإذا كانت الهند تريد تقليد الصين كما يشير بانسال فيجب أن يتذكر أن السبب الحقيقي لنجاح الصين هو وجود بيئة اقتصادية يمكن التنبؤ بها ومربحة للاستثمار الأجنبي وليس الوطنية الزائفة.

*محلل سياسي واقتصادي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا