• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

آخر أيام فولتير

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 15 فبراير 2016

في منتصف سبعينيات القرن الثامن عشر، وقع قرابة مئة من رجال الدين بياناً يطالبون فيه بمنع وإحراق عشرات الكتب التي بدأت تنتشر بين العامة والمثقفين الفرنسيين، وذكر الموقعون أن الزيجات بين البروتستانت (المرتدين) وبين الكاثوليك قد انتشرت بشكل لا يمكن السكوت عنه، مشيرين إلى التساهل الكبير الذي لوحظ في السماح للبروتستانت بدخول فرنسا والتغاضي عن تخفيف العقوبات عليهم، مطالبين بإعادة تطبيق العقوبات التي وضعها الملك- الشمس لويس الرابع عشر ضد غير الكاثوليك.

رفع هذا البيان إلى لويس السادس عشر، وفي الوقت نفسه كان كثير من المتنورين من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والكتاب في فرنسا يتعرضون لمضايقات كثيرة ومصادرات لكتبهم ومحاكمات، وبعض منهم كانوا يعيشون خارج فرنسا فراراً من الأذى الذي كانوا يواجهونه بمن فيهم فولتير وروسو، في إنجلترا وفي سويسرا، وكانت كاترينا الكبرى إمبراطورة روسيا تغدق على الفلاسفة الفرنسيين بمن فيهم ديدرو صاحب الموسوعة الفلسفية، وكان بينها وبين فولتير عشرات الرسائل، وقد دعته مراراً إلى أن يعيش في رعايتها. ولكن الوضع في فرنسا كان يتغير تدريجياً، حيث كانت ماري أنطوانيت متعاطفة معه، وكان كثير من النبلاء وبعض الوزراء والحاشية الملكية ورجال الدين أنفسهم يتعاطفون مع حركة التنوير.

وللمفارقة فإن ما تنشره هذه الأيام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن انحرافات بعض الوعاظ الملتحين المنافقين، لها ما يشابهها في تلك الفترة الزمنية التي كانت فيها أوروبا تتهيأ لعهد جديد، حيث امتنع لويس السادس عشر أن يتولى تعليم ابنه البكر وأخيه الأصغر رجلُ دين، لأنه كان يتهمهم بالزندقة وقلة الدين وفساد الأخلاق، بل بالإلحاد.

وفي ذروة الأزمة والسخط الذي بدأ ينتشر بين شرائح المجتمع المؤثرة والنبلاء والتجار، كانت الكنيسة تملك سدس الأراضي في فرنسا، وأرصدتها متخمة بقرابة ما يقدر اليوم ببليوني دولار من الذهب. وكانت الطبقة الدنيا والفلاحون يعيشون حالة سيئة بائسة. وحين اشتد المرض على فولتير وقرر أن يموت في فرنسا، قلقت الكنيسة واستطاعت إقناع الملك بأن العجوز المتطاول سيكون ضرره كبيراً وباباً لفتنة. ولكن رغم التعميم على الصحف بعدم نشر خبر عودته إلى فرنسا أو تغطية أنشطته، فقد كان يزوره يومياً في الفندق الذي نزل فيه عشرات من رجال الدولة والمفكرين ووجوه المجتمع الباريسي، ولكن الكنيسة وخصوصاً المتشددين من رجالها كانوا يريدون منه التراجع عن كل أفكاره وكل ما كتبه ضد ضلالهم وضد فسادهم، ومع أنه حاول التحايل مراراً بإعطائهم اعترافاً عاماً غير مفصل إلا أنهم كانوا يعودون إليه كل مرة مطالبين ببيان مفصل وواضح عن توبته. كان فولتير قلقاً من ألا يدفن في الكنيسة، ولهذا كان يداهنهم قدر استطاعته، ومع أن ماري أنطوانيت شفعت له عند الملك أن يحضر بين يديه إلا أن الملك رفض ذلك تماماً. قامت الأخويات والأدباء والمسرحيون بدعوة فولتير مراراً. وقبل وفاته بشهرين تقريباً حضر أول أداء لآخر أعماله التي كرم بعدها. ومات فولتير أخيراً قبل أن يحصل على مباركة الكنيسة. وبقي أثره وتسعون مجلداً من مؤلفاته تعمل أثرها قرابة مئة عام، حتى ظهرت أسماء كبرى في عالم الفكر احتلت الصدارة.

الغريب أن المؤرخين في القرن العشرين بمن فيهم ويل ديورانت يؤكدون أن نقده للدين الذي لم يكن إلحادياً جنب فرنسا أن يكون مصير الدين ورجاله أكثر ألماً فيه مما عاشته مجتمعات أوروبية أخرى.

منصور النقيدان*

* كاتب سعودي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتعرض ابنك للتنمر المدرسي؟ وهل أجاد الأخصائي الاجتماعي التصرف؟

نعم
لا
لم يتعرض