• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

دين وفكر

تديين السياسة أم تسييس الدين

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 04 يوليو 2015

د. سيف علي العصري

 

الدين هو وضع إلهي مُكَوَّن من قيم إيمانية وأخلاقية وتشريعية هادية إلى أقوم الطرق وأهدى السبل، وهو من رحمة الله بخلقه، فإنه سبحانه من رأفته بنا أنزل لنا الكتب، وأرسل إلينا الرسل وشرع لنا الشرائع، ولم يتركنا سدى، ولم يذَرْنَا في الاهتداء إلى الإيمان، وتقويم الأخلاق، وإصلاح أحوالنا الشخصية، نصطدم بالتجارب الفاشلة، والمحاولات التي لا توصل إلى خَلاص. وما كان من القضايا الإيمانية، والتشريعات التعبدية، التي لا مدخل للعقل في تصاريفها، فدور العقل فيها هو مجرد التعقل والتفهم والإيمان والتنفيذ كما هو الحال في الإيمانيات والتعبديات. وكلما ابتعدنا عن قضايا الاعتقاد ومسائل التعبد المحضة وجدنا النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية يغلب عليها وضع القيم العامة والخطوط العريضة، دون الدخول في التفاصيل والإجراءات، وأشرعت الباب أمام أهل الاختصاص كُلٌّ في مجاله، ليقوم العقل في ضوء المُوَجِّهات الشرعية العامة، والقيم الأخلاقية التامة، والمصالح الشرعية المنظورة، واعتبار المآلات والعواقب بوضع التفاصيل الهادية للمجتمع، والْمُحقِّقَة للسعادة الدنيوية والأخروية. ومِنْ ضمن القسم الثاني الذي وضعت فيه الشريعة المُوَجِّهَات العامة والقواعد الكلية ما يتعلق بقضايا السياسة الشرعية، فالدين هادٍ للسياسة ومصححٌ لمسارها، فيرسم الدينُ للسياسة القيم العُليا، والأهداف النبيلة، وهذا ما يمكننا أنْ نُسَمِّيَهُ «تديين السياسة» أي: جَعْلها خادمة للدين، مُهْتَدِيَةً به، والدين أستاذها ومعلمها. أما «تسييس الدين» فنعني به استخدام الدين لا خدمته، وجعل الدين خادماً للسياسة، ومطيَّةً إليها، أنْ يكون الدين سُلَّمَاً يُرْتَقى به إلى المطامع السياسية، أن يكون الدين أُلْعُوبةً في يد اللاهثين وراء السلطة، أنْ يكون الدين سيفاً مسلولاً بيد حركات وتنظيمات ترفع شعارات إسلامية تقود بها الناس لتأييدها، والإرهاب لمعارضيها الذين لم ينخرطوا تحت شعاراتها، وأصبح أهل هذه المسالك يعرفون بـ«حركات الإسلام السياسي»، ومِنْ سمات أهل هذه التوجهات: - احتكار الإسلام والحق والهداية فيهم وفي مَن التحق بتنظيماتهم، فهم مَنْ يسعى لنصرة الشرع وغيرهم لهدمه، هم من يدافع عن الدين، هم من يمثِّل الإسلام، مهما كان عندهم من التقصير والجفاء والغلظة والتعالي فهم مِن الدين والدين منهم، ومهما كان عند غيرهم من حب لله ولرسوله، وخدمات جليلة للمسلمين، وتعظيم لشعائر الله، فكل ذلك لا يشفع له لأنه لم ينخرط في سلكهم، ولم يقتنع بأفكارهم. - يكيلون لأنفسهم بمكيال ولغيرهم بمكيال آخر، فما يستخدمونه اليوم لاتهام خصومهم ومخالفيهم، والطعن في دينهم، وتخطئة مواقفهم، ورميهم بالعمالة والغباء والنقائص كلها، دون أن يكون هناك إعذار أو تسامح... كل ذلك ينتهي متى صدرت تلك الأفعال نفسها منهم، وهم مستعدون لأن يفصلوا لها مكيالاً جديداً، ويُلْبِسُوها ثوب الذكاء والحنكة والمصلحة، أو يبرروها بالضرورة تلاعباً بالدِّين، وهذا الخلق «أعني الكيل بمكيالين» يصدر من آخرين، وهو خلق مرفوض سواء صدر ممن لبس ثوب الدين، أو ثوب الحداثة واللبرالية، إلا أن صدوره باسم الله والدين يزيده شناعة وخطراً. - تَقَلُّبُ المواقف: فالحرام اليوم حلال غداً، وما يجوز لهم يحرم على غيرهم، والشخص الواحد دون أن يتغير فيه شيء إن وافقهم فهو من الصالحين، وإن خالفهم فهو من الطالحين، يطالبون بالحريات، وهم يمارسون الاستبداد في تنظيماتهم، إذا جلس فلانٌ مع فلانٍ فهو خائن، وإذا جلسوا معه هم فهي حنكة سياسية، والتناقضات كثيرة جداً. - المماحكات السياسية: فالبلدان المسلمة التي يقوم نظامها السياسي على التعددية الحزبية، بدلاً من أنْ تقوم الأحزاب بالتنافس على البناء، والتسابق في تقديم برامج عمل، وتحقيق الطموحات الوطنية، وخدمة البلد، والمحافظة على لحمته وترابطه، والألفة والمحبة بين الحاكم والمحكوم، وأن يكون الكل يداً واحدةً، وجسداً واحداً، بدلاً من ذلك كله أصبح التنافس على الإقصاء، وأصبح الكل يمارس الصراع على البقاء الذي يؤدي بالجميع إلى الفناء، وأصبحت حركات تسييس الدين جزءاً من هذا المرض، وفاقوا غيرهم بأنهم يمارسون تلك المماحكات باسم الدين. وإذا كانوا في بلد لا يقوم نظامها على التعددية السياسية، وكان البلد ينعم بألفة بين الحاكم والمحكوم، وأمن واستقرار، وانسجام بين أطياف المجتمع، كان التناول الخاطئ للقضايا، والفهم المغلوط للمواقف، وتصيُّدُ السلبيات وتكبيرها، ودفن المميزات والإيجابيات هو المنهج المسلوك عندهم، فينتج عنه من الشرور، وتفريق الكلمة، وإقلاق السكينة ما يهدد ببلاء عظيم وشرٍّ مستطير. - غياب القيم، أصبح الناس يرصدون لهؤلاء الكذب والغدر وإخلاف الوعود وتزييف الحقائق ما يَحَار منه أهل العقل والدين. وأما الدين الصافي فيفرض على المسلم أن يكون عوناً على الخير، مشجعاً عليه، إنْ رأى خيراً أثنى على الفاعل ولو كان خصماً له، وإن رأى غلطاً أو خطأً سعى في النصح برفق ولين، مُوَجِّهاً نصيحته لمستحقها دون تشهير أو استغلال سياسي لتلك الأخطاء، إن الفرح بأخطاء الآخرين، والسعي لإسقاطهم، واستغلال ذلك سياسياً ليس خُلُقَاً إيمانياً، سواء أمارسه مَنْ يسمُّون بالإسلاميين أو الحداثيين. إن تفعيل منظومة القيم الإيمانية والأخلاقية هو ما يضمن الاستقرار الفكري والاجتماعي، فمتى تخلصت النفوس من نزغاتها وشهواتها وتغلَّبَتْ محبةُ الله والدار الآخرة فإنها ستسعى جَادَّةً في تحقيق رضوان الله الأكبر، وخدمة الدين لا استخدامه، وبناء الأوطان، وعمارة الأكوان، مع الرفق واللين، والحب لعباد الله، والله لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا