• الخميس غرة محرم 1439هـ - 21 سبتمبر 2017م

التونسية نزيهة مستاوي توظف الفن الرقمي لخدمة البيئة

غابة على برج إيفل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 ديسمبر 2016

د. حورية الظل

غزت التكنولوجيا الفن التشكيلي وأصبح لها تأثيرها الأكيد على تجربة الكثير من الفنانين، لأنها وضعت رهن إشارتهم إمكانيات لم تكن متاحة لهم من قبل فمكنتهم من ترجمة تخيلاتهم إلى إنجازات رقمية، وعوالم افتراضية تتشكل من موجات الضوء وتدفقات الطلاء الافتراضي، فانتفى الجانب المحسوس عن هذه الأعمال لتقتصر على ما هو بصري، ويمكننا اعتبار الفنانة التونسية البلجيكية التي تقيم في باريس «نزيهة مستاوي» من هؤلاء، ولضيق المجال لن نتناول سوى عملها الأخير الذي اختارته بقصديّة متقنة لتستطيع من خلاله تمرير رسالتها البيئية، وهو عبارة عن غابة افتراضية ضاجة بالخضرة عرضتها على برج إيفل، وعلى بعض المعالم الأثرية الأخرى في باريس،  بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للتغيرات المناخية كوب 21 في فرنسا، وعنوان عملها الوفيّ للطبيعة (قلب واحد شجرة واحدة)، وهو يشي بامتدادات له على أرض الواقع، فما طبيعة هذا العمل؟ وما الهدف منه؟ وكيف يمكن للفن الرقمي أن يؤثر إيجاباً على وجه المستقبل؟

المشروع الفني الذي أطلقته نزيهة مستاوي (وان هارت وان تري) أو (قلب واحد.. شجرة واحدة) بهدف جعل الحياة أكثر اخضراراً، يُنسب لجيل جديد من الأعمال الفنية المنتمية للفن الرقمي الذي نحت لنفسه آليات اشتغال خاصة به، مستفيداً من التطور التكنولوجي، حيث فرض طرقاً جديدة للتعبير تمثلت في العوالم الافتراضية، مستجيباً بذلك للتغيرات التي يعرفها العالم، وليست «مستاوي» وحدها من تصب الألوان الافتراضية من أجل إعادة تشكيل العالم، وإنما هناك فنانون آخرون تخصصوا أيضاً في هذا النوع من الفن، ومن هؤلاء الفنان الفرنسي ذو الأصول المكسيكية «ميغيل شوفالييه»، ويلتقي مع نزيهة مستاوي في افتتانه بالطبيعة لكن من منظور مغاير تمثل في إنجازه لأعمال افتراضية تمثل نمو النبات وتكاثره وتطوره وتكراره في دورة الخلق التي لا تتوقف من خلال مشروع سماه «كسورية الزهور»، ويتم عرض مثل هذه الأعمال الافتراضية في الأفضية المفتوحة لتمكين الجماهير العريضة من تلقيها.

يومها، بدا تحويل نزيهة مستاوي لبرج إيفل إلى غابة افتراضية احتفالياً ومحملاً بجمالية أكيدة، وجالباً للفرح والبهجة، لكن عملها هذا لم يقتصر على الإمتاع البصري فقط، وإنما كانت له غايات أخرى، خاصة وأنها أنجزته في لحظة هلع على مصير البيئة، فإلى جانب ما هو جمالي سمح عملها باقتراح معالم المستقبل، فصاغت من خلاله الطبيعة التي تُحْدق بها المخاطر بطريقة جمالية تفشي بما سيكون، وليس بما هو كائن، وكذلك تأكيداً على جدوى الفن الافتراضي في حل مشاكل شتى.

ضد التدمير الممنهج

وإذا كان الإنسان يُخضع الطبيعة لجنون التدمير المُمنهج، فإن نزيهة مستاوي التي خضعت لغواية الفن تعرف مفاتيح إيقاف ذلك، فهي تحاول دفع المتلقي لعملها الفني إلى إعادة النظر في ممارساته العنيفة تجاه محيطه البيئي، من خلال إعادة صوغ علاقته بالطبيعة التي لا يحمل لها أي ود رغم أفضالها عليه، وحتى يكون لعملها نتائج ملموسة، اتخذته معْبَراً لأرض الواقع، حيث هناك يبدأ العمل الحقيقي، فتخطت الحدود الضيقة التي تحيط عادة بالأعمال الفنية، ونسجت لعملها مساحة أوسع يتحرك ضمنها، مكنتها منها التكنولوجيا، ليتحقق من خلاله تواصل سلس بين الإنسان والطبيعة افتراضياً ليفضي إلى تواصل حقيقي يتمثل في تحفيز أكبر عدد من الأشخاص عبر العالم لوضع شتلة في رحم الأرض، ليعود للغابات ازدهارها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا