• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

مقاربتان لممارسة البحث الفلسفي في قضاياه

الدين.. سؤال المعنى بديلاً لسؤال الحقيقة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 ديسمبر 2016

سعيد ناشيد

عندما نبتغي ممارسة البحث الفلسفي في قضايا الدين، نجد أنفسنا أمام مقاربتين اثنتين، لكل واحدة منهما معاييرها الخاصة من حيث البحث والتقييم:

1- مقاربة أولى، تروم دراسة الدين انطلاقاً من وجهة نظر الحقيقة، حيث يتمّ فحص المعطيات للتأكد من مدى صحتها، والنظر إلى مستوى تناسقها الدّاخلي، ودرجة تطابقها مع الوقائع الحسية، ونحو ذلك. وهي مقاربة تسمح على وجه العموم باتخاذ موقف من الدين باستحضار ثنائية الحقيقة والوهم، الصدق والكذب، الواقع والخيال. ولا يخفى أن هذا النوع من الدراسة قد يُستثمر في نهاية المطاف لفائدة الاصطفاف ضمن أحد الخيارات العقائدية، كالإيمان أو الإلحاد أو الشك أو اللاّأدرية أو نحو ذلك من مختلف المواقف الدينية. وأحياناً قد لا يتورّع صاحب مقاربة الحقيقة عن تفكيك المعطيات الدينية نفسها وإعادة بنائها إمّا بغية نقد الدين بافتراض بطلانه، أو لغاية إنقاذ الإيمان بافتراض صلاحيته، أو كليهما معاً في بعض الأحيان، بمعنى، التضحية بالدين لإنقاذ الإيمان مثلما كان يفعل بعض أهل النظر الصوفي. في كل الأحوال يبقى معيار دراسة الدين هنا هو معيار الحقيقة.

2- مقاربة ثانية، تروم دراسة الدين ليس باعتماد وجهة نظر الحقيقة وإنّما باعتماد وجهة نظر المعنى، وهي مقاربة لا تقود إلى اتخاذ أي موقف عقائدي من الدين على أساس الحقائق الكامنة فيه، سواء بالتصديق أو التكذيب، فلا يهمّها الإيمان أو عدمه، وإنما يهمها أن تستنبط من المضامين الدينية – وهي مضامين ذات خلفية سردية في الغالب- بعض المعاني الممكنة والملهمة للوعي الإنساني الرّاهن. فالمؤكد أن داخل كل فكرة مهما بلغت بساطتها، داخل كل حكاية مهما بدت تفاهتها، داخل كل حلم مهما كانت سذاجته، ثمة ما هو خالد وأبدي لأنّه متجدد على الدّوام. يتعلق الأمر بالمعاني الكامنة والممكنة. في كل سطح ثمة عمق قد لا يظهر سريعاً. أحياناً قد يمضي زمن طويل قبل أن يتيح لنا السطح النّفاذ إلى الأعماق. إن شذرات بارمنيدس التي كانت تبدو أمام عقول القدامى مجرّد خيالات خاطئة تبدو أمام عقولنا اليوم مفعمة بالمعاني الأشدّ عمقاً. في واقع الحال لا تكمن عبقرية الحلم في الحلم ذاته، وإنما في حبكة التأويل.

يصدق هذا القول أكثر ما يصدق على مجال اللاّشعور الجمعي، بمعنى أنه يصدق على الإنتاج الرّمزي الأكثر تعبيراً عن روح الجماعة: الأساطير والأعراف والأديان، بل حتى الإنتاجات الأدبية ذات الطابع الملحمي، من قبيل الإلياذة والأوديسة، وألف ليلة وليلة، والكوميديا الإلهية، إلخ.

بحثاً عن جودة المعنى ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا