• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

تصريحات تيلرسون حول أهمية نظام اقتصادي مفتوح، كشرط محوري للنمو المستدام، تكتسي أهمية كبيرة على مستوى العالم

«تيلرسون» والسياسة الأميركية في آسيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 29 أكتوبر 2017

مانبريت إس. أناند*

ألقى وزير الخارجية ريكس تيلرسون، في الآونة الأخيرة، كلمة في مهرجان «ديوالي» الهندوسي حول العلاقات الهندية الأميركية، قبل رحلته إلى الهند هذا الأسبوع. وكلمة تيلرسون ربما تكون هي أكثر التصريحات تفصيلاً عن السياسة الخارجية الأميركية تقدمه الإدارة الحالية حتى الآن. وقرر تيلرسون، ربما تيمناً بروح المهرجان الهندوسي الذي يحتفل بانتصار النور على الظلام، أن يلقي الضوء على سياسة خارجية كانت معتمة ومبهمة قبل كلمته. ففي الوقت الذي تجري فيه صناعة السياسة من خلال التغريدات الرئاسية على تويتر، تستمد كلمة تيلرسون أهميتها من تماسكها واتساقها مع النهج السياسي الأميركي العام. وتمثل الكلمة رؤية أوسع نطاقاً للإقليم، وهو ما غاب عن كلمة الرئيس دونالد ترامب عن الاستراتيجية في جنوب آسيا. والأهم أن كلمة تيلرسون نقلت أيضاً شعوراً مطمئناً إلى كثيرين ممن ينتابهم القلق من احتمال نبذ الإدارة الحالية للنظام العالمي ذاته الذي تزعمته ودافعت عنه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولذا نأمل أن تكون هذه الكلمة المهمة متصلة السياق بنهج الإدارة الحالية.

واختيار تيلرسون التركيز على العلاقات الثنائية مع الهند باعتبارها محور السلام والرخاء في منطقة الهادي والهندي أمر مهم للغاية. وهكذا قدم تيلرسون ما كافحت إدارة ترامب لبنائه حتى الآن -رؤية متماسكة بشأن القيم التي تمثل أساس سياستها الخارجية- من خلال اعترافه بدور الهند ضمن استراتيجية أكبر لدعم «حكم القانون وحرية الملاحة والقيم العالمية وحرية التجارة». وهذه الرؤية تقتضي إقامة شراكة استراتيجية مع الشركاء والأصدقاء المتقاربين في الأفكار، كي يشكلوا أساساً لدعم النظام العالمي على أساس أعراف وقواعد دولية. وطرح تيلرسون وجهة نظر إيجابية خاصة عن أهمية الشراكة الأميركية مع الهند التي تتجاوز دواعي مواجهة الصين. ووجهة النظر هذه مفصلة رسمياً في بيان «الرؤية الاستراتيجية المشتركة لمنطقة آسيا والمحيط الهادي والهندي» الصادر عن البيت الأبيض في يناير عام 2015. وتشير هذه الرؤية إلى أن لدى الولايات المتحدة والهند مصلحة قوية وأساسية في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد، والمستقر على قيم مشتركة.

وأكد تيلرسون أن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية في منطقة الهادي والهندي ترتبط بشكل لا مفر منه بالهند. وربما يكون من الزائد على الحد أن نطلب من الهند، وهو بلد حرر اقتصاده بصعوبة، أن يصبح مدافعاً عالمياً عن حرية التجارة وفتح الحدود. ومن المثير للانتباه أن الهند تمر بحراك اجتماعي سياسي مشابه لذاك الذي تمر به الولايات المتحدة من تصاعد القومية، واستغلال إطار التخويف ضد الأقليات الدينية، وهي تطورات نابعة إلى حد كبير من القلق الاقتصادي الشديد. وتصريحات تيلرسون المتعلقة بأهمية نظام اقتصادي ومالي مفتوح، باعتباره شرطاً محورياً للنمو المستدام، تكتسي أهمية على مستوى العالم. ولكن لا شك في أن تصريحات تيلرسون تهم أيضاً شريحة من الناخبين في الولايات المتحدة ترغب في أن ترى الهند منارة للقيم الديمقراطية وعماداً في منطقة المحيطين الهادي والهندي للدفاع عن الأعراف الدولية والتصدي لقوى السلطوية.

وعلى رغم أن إدارة ترامب حددت ملامحها بأنها ضد أي مواقف اتخذتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، نجد أن كلمة تيلرسون تمثل امتداداً واضحاً لتصريحات مسؤولي السياسة الأميركية الخارجية في عهد الرئيسين السابقين. فمن السهل تخيل صدور فحوى كلمة تيلرسون على لسان وزير الخارجية السابق جون كيري. فقد عكست الكلمة في الواقع كثيراً من الأفكار التي نقلها كيري في كلمته في نيودلهي العام الماضي. فقد ناقش كيري «التعاون العميق» بين الهند والولايات المتحدة في معالجة التحديات العالمية، بينما أشار تيلرسون إلى «التضافر الاستراتيجي» المتنامي بين البلدين. وأكد كل من كيري وتيلرسون على التزام البلدين بالنظام الدولي القائم على القانون، وهو المصطلح الذي غاب إلى حد كبير عن خطاب إدارة ترامب حتى الآن، بل تعرض للسخرية أحياناً.

والسؤال الآن هو عما إذا كانت وجهة النظر هذه تمثل بشيراً حقيقياً لمستقبل السياسة الخارجية، أم أن هذا ربما هو ما يوده تيلرسون فحسب. ومن المؤسف أن بعض تصريحات تيلرسون في السياسة الخارجية، وأقربها تصريح تعلق بكوريا الشمالية، قد عارضتها تغريدات الرئيس. وسيقوم ترامب بجولة في عدة دول في آسيا الشهر المقبل مما قد يكشف عن تصريحات توضح بشكل أكبر السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. ولدى الولايات المتحدة القدرة الكامنة والوسائل التي تستطيع من خلالها نشر النور في كل ركن مظلم من العالم، مثلما هي دلالة مهرجان «ديوالي» نفسه. ويظل السؤال: هل تمتلك إدارة ترامب الرغبة والقيادة لاتباع النهج الذي حدده تيلرسون؟

* مساعد نائب مدير مكتب آسيا في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا