• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

«الروهينجا»... منبوذون ومحرومون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 29 أكتوبر 2017

العالم اليوم يقف شاهداً على أسوأ مأساة إنسانية تحاصر اللاجئين من مسلمي «الروهينجا» الهاربين من العنف في ميانمار (بورما سابقاً)، وأن المنظمات الحقوقية والإنسانية تدق ناقوس الخطر، والأبرياء من الأطفال الرضع والنساء الثكالى يدفعون الثمن في مخيمات عشوائية تهددها فيضانات الأمطار والأمراض، بينما يبقى القرار العربي والعالمي ضعيفاً وهزيلاً ولا يحرك ساكناً. قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن قرابة 340 طفلاً من مسلمي «الروهينجا»، يعيشون في ظل أوضاع قذرة في مخيمات داخل بنجلادش، ويفتقرون إلى الرعاية الصحية، وأن هناك 12 ألف طفل آخرين ينضمون إلى هؤلاء الأطفال أسبوعياً.

إن الإمارات بدورها أدانت بشدة الاعتداءات والجرائم المرتكبة بحق مسلمي «الروهينجا» في ميانمار (بورما سابقاً)، ووقفت قيادة وشعباً ضد التطرف والعنصرية وقتل الأبرياء وظلم البشرية، وكانت في مقدمة الدول التي ساهمت في المساعدات الإنسانية، من خلال هيئة الهلال الأحمر الإماراتي للتخفيف عن معاناتهم وتوفير الملاذ الآمن لهم.

إن دول العالم بحاجة إلى وضع قوانين وأسس جديدة لمجتمع متعاونٍ متكافل إنساني، وفق مبادئ العدل والحق والمساواة، فنحن مؤمنون جميعاً بأن الله جعلنا شعوباً شتى وقبائل مختلفة لنتعارف ونتعاون ونتآلف، لا لنختلف ونتقاتل، ولن يسود السلام والاستقرار والأمن والأمان، ما دام هناك مكاييل مختلفة تكال بها الأزمات الإنسانية، وتوضع على أساسها الحلول والنتائج.

الفرد قد ينتهك القانون، أما الدولة لا يمكن لها أن تنتهك القانون، لأنها تمثل القانون والعدل، والحق، وهي الضامن لاستمرارية العدالة والمساواة بين أفرادها، وهذا ما أقدمت عليه السلطة والعسكر في ميانمار، من انتهاك للقوانين والأعراف الدولية، فبرغم من الاعتراف بـ«الروهينجا» في مارس 2017، بموجب قرار أصدره مجلس حقوق الإنسان، إلا أن هذا لم يمنع السلطة والعسكر في ميانمار «بورما سابقاً»، من الاستمرار في ممارسة أعمال العنف والقتل ضدهم، وقد صنفت الأمم المتحدة، الحملة العسكرية ضد مسلمي الروهينجا ضمن جرائم «التطهير العرقي»، مشيرة إلى أنها «محرومة من الجنسية وتعاني من الاضطهاد والقمع منذ سنوات».

الإسلام دين السلام، يكرم الإنسان لأن المولى عزّ وجلّ كرّمه، حيث تعتبر النفس البشرية أمانة يجب ألا تُهان أو تُذلّ أو تُعامَل من دون عدالة أو من دون حقّ، وأن قتْل النفس البشرية بغير حقّ يعتبر ذنباً عظيماً لأن «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء...»، الرحمة شاملة للإنسان والحيوان والأشجار.

مر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بسائل يسأل «شيخ كبير ضرير البصر»، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: اسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، فوضع عنه الجزية وأكرمه.

قال فقيد الأمة الشيخ زايد، طيب الله ثراه: إن البشرية لها قيمة عظمى عند الله سبحانه وتعالى، وإن الله بعث محمداً، صلى الله عليه وسلم، للناس كافة ورحمة للعالمين، وإن من واجب الخلق أن يكونوا رحماء ورسل تعايش سلمي فيما بينهم، مؤكداً أن الدين دين بناء ونبذ للعنف والتطرف والكراهية، وأنه يعامل جميع البشر على السواء، لا فرق بين مسلم وغير مسلم». الآن نحن أمام مأساة إنسانية وقضية عرقية، يتعرض لها المسلمون الروهينجيون في بورما، من جرائم وحشية وإبادة جماعية، وعلى مسمع ومرأى من الجميع، وهذه الجرائم قد توافرت فيها أركان العمل الإرهابي، فهي لا تقل عن جرائم وإرهاب «داعش» و«القاعدة»، والسكوت عليها يعطي الدافع القوي للإرهاب المضاد، لذلك يجب على الدول الإسلامية والعربية أن تتبنى قضيتهم وتعرضها أمام العالم، وتبذل جميع الجهود الإنسانية والدولية من أجل التخفيف من معاناتهم واسترداد حقوقهم وحريتهم المسلوبة وإعادتهم إلى وطنهم الأصلي، وقد وصل عدد اللاجئين إلى أكثر من 600 ألف لاجئ، وأننا نعلم وكلنا ثقة أن الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لو أراد وقف هذه الجرائم والمجازر لفعل ذلك منذ وقت طويل، ولكن لا حياة لمن تنادي.

د. محمد الحوسني

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا