• الثلاثاء 28 ذي الحجة 1438هـ - 19 سبتمبر 2017م

كلمات وأشياء

الفيلسوف والمفكر البراجماتي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 ديسمبر 2016

بدر الدين الإدريسي

لا أدري إن كانت الصدفة هي ما فعلت ذلك، ولكن ما أسعدنا بتلك الصدفة التي جعلت من قمة المان سيتي وتشيلسي فاتحة للشهية، في ذلك السبت الذي كان محجوزاً بكامله لكلاسيكو برشلونة وريال مدريد بمسرح الكامب نو.

لم يجعلني كلاسيكو بلاد «الماتادور» برغم ما يسبقه في العادة من شغف ونهم، انشغل عن تلك القمة الكروية المتخفية بين «السيتيزن» و«البلوز»، فقد كان الموعد الكروي المقدم من أجل عيون من يقطنون في شرق آسيا، كشفاً تكتيكياً بالثورة التي يحدثها هذا الجيل من المدربين العمالقة الذين استقطبتهم الأندية الإنجليزية داخل الكرة الإنجليزية، لإخراجها من نمطيتها وتحريرها من القوالب التكتيكية التقليدية.

كان لقاء «المان يونايتد» وتشيلشي قبل كل شيء مبارزة من العيار الثقيل بين جوارديولا المنعوت بالفيلسوف الرومانسي، وكونتي الموصوف بالمفكر الكلاسيكي والبراجماتي.

مبارزة بين منظورين وثقافتين، كان مثيراً للغاية أن ننفذ إلى عمقها لنستمتع بجمالية ما تعرضه للمشاهدة.

كنهج قاعدي لم يختلف كونتي كثيراً عن جوارديولا، فكلاهما أيقن أن الحرب هي حرب وسط واحتكار إيجابي للكرة وانسيابية كبيرة للأداء، إلا أن التطبيقات اختلفت بحسب المنظور وبحسب الخطاب التكتيكي وبحسب الشحن النفسي، وحتى عندما تقدم «المان سيتي» بعلامة الاستحقاق الكاملة بهدف كاهيل بالخطأ في مرماه في جولة تسيدها، كان هناك ما يؤشر على أن تحولاً كبيراً سيحدث في الجولة الثانية ولاعبي تشيلسي سيخضعون في فترة الاستراحة من مدربهم لغسل دماغ يستأصل كل ما ترسب خلال الجولة الأولى في وعيهم.

ومن يرصد بدقة الانقلاب النوعي الذي سيحدث في الجولة الثانية، سيقف على ما يختلف بالطبيعة والتكوين والخبرة في فكر المدربين، فجوارديولا يؤمن بأن فلسفته التكتيكية هي الموجه الأول للفريق، في حين يعتبر كونتي أن الطاقة العاطفية تستطيع أن تمنح اللاعبين محركاً هلامياً يوصلهم إلى المستحيل، وأحياناً إلى قضم العشب، ومن شاهد السعار الذي كان عليه لاعبو تشيلسي في الجولة الثانية إلى درجة أنهم عقدوا كل الأمور على «المان سيتي» وبالخصوص منها الجوانب الدفاعية التي هي عماد المنظومات التكتيكية، يدرك المفعول السحري للخطاب التكتيكي والنفسي الذي واجه به كونتي لاعبيه بين الشوطين فأيقظ فيهم ما كان منوماً.

في النهاية لا تشيلسي اقترب من درع الدوري ولا «المان سيتي» فقد كل حظوظه في معانقة اللقب، ما دمنا في بداية الثلث الثاني من الموسم الشاق والطويل، ولكن الكرة الإنجليزية اقتربت كثيراً من الوصفة السحرية التي ستغير فسيفساءها الكروي ليصبح أكثر ملاءمة للعصر بوجود مبتكرين وفلاسفة من طينة كونتي وجوارديولا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا