• الخميس غرة محرم 1439هـ - 21 سبتمبر 2017م

نصف قرن من الفتنة والمتعة

لِمَ الموسيقا؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 ديسمبر 2016

د. سعيد توفيق

ستظل الموسيقا هي الفن الأثير عندي، الفن الذي يأسر روحي حينما يملأ كل مشاعري ووجداني، ويأخذ بمجامعي حينما يستولي على كل أعضاء بدني الحاسة. فِتنتي بالموسيقا ترجع إلى عهد الصبا، أي إلى نصف قرن تقريباً. بدأت فتنتي عندما كنت طفلاً، إذ اعتادت أمي أن تصطحبني لزيارة والديها في حي الإمام الشافعي، وكنت أبيت الليل عند خالي سعيد، الذي سمَّتني أمي على اسمه. كان خالي يدير المذياع حينما يحل المساء ليستمع لأغاني عبدالوهاب. كنت طفلاً لا يعي معاني الكلمات الفصيحة التي يتغنى بها عبدالوهاب، لكن الكلمات بقى رسمها في أذني أو-على وجه أكثر دقة- في مركز السمع في مخي، أما الموسيقا بنغماتها وإيقاعاتها فقد بقيت كامنة في أعماق روحي إلى أن استطعت أن أفهم بمرور الزمان معنى هذا الذي كنت أسمعه. وفي مرحلة الصبا أو البلوغ فتنتني الموسيقا التصويرية للأفلام الخالدة، إلى أن اكتشفت في ما بعد أن هذه الموسيقا -التي أصبحت تُعزف وتقدم في برامج موسيقية مستقلة- من تأليف إنيو موريكوني، كما أفصحت عن ذلك في مواضع أخرى من كتاباتي. اعتدت منذ زمن طويل أن أستمع إلى الموسيقا الخالصة... كانت الموسيقا هي الخلفية التي تُعينني على كتابة رسالتي للماجستير والدكتوراه في علم الجمال، وعلى سهر الليالي في قرية من قرى المنوفية اسمها «سبك الضحاك»، التي رحلتُ إليها طواعية، هرباً من ضجيج القاهرة. كنت أشتغل بالليل عشر ساعات على الأقل حتى عندما تنقطع الكهرباء لفترة طويلة كل يوم أو كل يومين. كانت لمبة الجاز هي ونيسي، وكانت الموسيقا هي موقد روحي. كان البرنامج الموسيقي وبعض الشرائط الموسيقية التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان، هي زادي ومعيني.. لا أزال أحتفظ ببعض هذه الشرائط على سبيل الذكرى، فلم تعد هناك أجهزة تستقبلها وتعترف بها في وقتنا الراهن، فالحصول على ما كنت أسعى إلى اقتنائه أصبح متاحاً الآن من خلال أسطوانات مدمجة، وحتى هذه الأسطوانات لم تعد ضرورية الآن، إذ يكفي نقرات على جهاز الكومبيوتر المحمول أو هاتفك المحمول لاستدعاء كل ما تود سماعه أو تتوق إليه.. تلك معجزات التكنولوجيا التي لا تتوقف عند حد، حتى إنه أصبح متاحاً الآن -على استحياء في تجربة لا تزال في بداياتها- أن تستمع إلى ما تود سماعه من خلال ساعة يدك المزودة بكل هذه التكنولوجيا. أعرف كل ذلك حق المعرفة، وأتابع ما يحدث فيه من تطورات تكنولوجية. ولكني حينما أستغرق في التأمل، أتساءل: وما علاقة ذلك كله بالعمل الموسيقي ذاته على نحو ما تشكل في عقل مبدع عبقري استثنائي مثل بيتهوفن؟! إن بيتهوفن لم يبتهل إلى الله ليعينه على اكتشاف فاتحة موسيقية تعبر عن المشاعر العميقة في نفسه، لكي يستمع إليها أولئك الذين يستمعون إلى نوع معين من الموسيقا والأغاني من خلال سماعات الأذن أثناء المشي أو الركض. لقد صممت هذه التكنولوجيا من أجل العابر لا المقيم... من أجل الموسيقا والأغنية التي يتسلى بها المرء حينما يمارس نشاطاً آخر لا صلة له بالفن.

السيمفونية السابعة

لقد تساءل سارتر من قبل عن وضع السيمفونية السابعة في العالم باعتبارها عملاً من أعمال بيتهوفن، قد استمع إليه في قاعة شاتيليه بباريس قبل أن تضع الحرب العالمية أوزارها في سنة 1944، وانتهى (بعد وصف مطول لخبرته بماهية السيمفونية) إلى القول بأنها عمل لا يكمن في السماء ولا في الأرض، وإنما هي صورة متخيلة يقترب منها العازفون أو الأوركسترا بقائدها، حسب مهارة هذه الأوركسترا التي تحاول بلوغ حقيقة السيمفونية السابعة كما وضعها بيتهوفن مرة واحدة وإلى الأبد! كيف لمن يضع سماعات على أذنيه أن يفهم شيئاً من ذلك، أو كيف يمكن حتى أن نتصور أنه يمكن أن يُقبِل على ذلك! ستظل موسيقا العباقرة تفرض علينا أسلوب حضورها الحي الذي فيه يتنافس المتنافسون. المثال الحي على ذلك عندي -مع الفارق- هي الموسيقا التصويرية لدى أعظم مبدعيها في القرن العشرين، وهو إنيو موريكوني Ennio Morriconi. سيجد بعض المتابعين عبر الإنترنت لموسيقاه التي لا تزال تُعزف منذ عقود في حفلات حية، سيجد عنواناً دالّاً للبحث الممتع عن موسيقاه بعنوان Morriconi conduct Morriconi، بمعنى أن موريكوني هو المايسترو في هذا الحفل الذي يقود الأوركسترا التي تعزف موسيقاه بكل الإمكانيات المتاحة الآن في العروض الموسيقية. آهٍ لو أن بيتهوفن أو أحد نظرائه العظام قد أُتيح له ذلك! لقد كان هذا العظيم الذي لا مثيل له علامة فارقة في تاريخ الإبداع الموسيقي، لأنه أول من رفض أن تكون موسيقاه خادمة في بلاط الملوك والأباطرة، حينما رفض أن يدخل القصر الإمبراطوري من الباب المخصص للخدم والموظفين بالقصر، لأنه كان يعرف أن موسيقاه ليست مكتوبة لتُعزف على هامش الاحتفالات الراقصة، التي كانت تُقَام في قصور الأباطرة والنبلاء، بل هي مكتوبة من أجل الناس في كل زمان ومكان... كان يعرف أنه إمبراطور على عالم رحب لا حدود له.

الموسيقا الخالصة

اكتشفتُ أو تعلمتُ بمرور الزمان أن بعض الأعمال الموسيقية لا يمكن أن تستمع إليها كخلفية في أثناء انشغالك بأداء عمل آخر، حتى إن كان عملك يتعلق بالفن، وحتى إن كنت تعرف العمل الموسيقي، واستمعت إليه مرات لا حصر لها من قبل. ولذلك كنت أجد نفسي أتوقف أحياناً عن انشغالي بعملي، لأنصت إلى ما كنت أستمع إليه في الخلفية، ليصبح هو في الصدارة وحده. تعلمت عندئذ أن أنصت إلى السيمفونيات الخالدة في تاريخ الموسيقا الخالصة أو المجردة من كل شيء، موسيقا خالصة بلا كلمات، وبلا صورة سينمائية تصاحبها. ومع ذلك فقد ظلت موسيقا موريكوني حاضرة عندي، لأنها لم تكن مجرد موسيقا مصاحبة للصورة السينمائية في كثير من الأفلام الخالدة، بل تبدو كأنها موسيقا صُنِعَت الصورة من أجلها وكأنها البطل الحقيقي للفيلم، ولذلك فإنها كانت دائماً قادرة على أن تمارس تأثيرها عندما تُعزَف منفردة في العديد من الحفلات الموسيقية، التي كان يقود فيها الأوركسترا موريكوني نفسه أحياناً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا