• الاثنين 05 محرم 1439هـ - 25 سبتمبر 2017م

من الصراع بين القدماء والمحدثين.. نهاية بالبنيوية وما بعدها

في رحاب النقد الفرنسي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 ديسمبر 2016

هاشم صالح

ماذا يمكن أن نقول عن المصطلحات والمدارس الأدبية التي شهدتها فرنسا على مدار تاريخها الطويل؟ بالطبع لن نستطيع استعراضها كلها.. هيهات! حسبنا أن نتوقف عند بعضها. من المعلوم أن النقد الأدبي الفرنسي شغل العالم كله في العقود الأخيرة من خلال البنيوية، فقد انتقلت نظرياته ومصطلحاته إلى الجامعات الأميركية والأوروبية والعربية والعالمية من خلال رولان بارت وتودوروف وغريماس وجيرار جنيت إلخ. وعلى أي حال فإن النقد الأدبي الفرنسي قديم جديد. إنه يعود إلى مرحلة الصراع بين القدماء والمحدثين في القرن السابع عشر وينتهي بالبنيوية وما بعدها، مروراً بالسريالية، والرمزية، والوجودية، ومدارس أخرى عديدة.

والآن ماذا يمكن أن نقول عن حركة التنوير التي تلت مباشرة معركة الصراع بين القدماء/‏ والمحدثين، التي تشبه الصراع الذي جرى يوماً ما بين طه حسين ومصطفى صادق الرافعي؟ ينبغي العلم بأن التنوير هو عبارة عن حركة فلسفية وأدبية انتشرت وازدهرت في القرن الثامن عشر ومهدت للثورة الفرنسية. وروح التنوير ناتجة عن الأزمة التي أصابت الوعي المسيحي الأوروبي بعد انحسار العصور الوسطى وظهور فكر جديد على أثر ديكارت وسبينوزا ومالبرانش ولايبنتز وبيير بايل، وآخرين عديدين. ومعلوم أن الوعي الأوروبي كان مطبوعاً بالمسيحية طيلة العصور السابقة. وقد ظهر التنوير كرد فعل على التزمت الديني والحروب الطائفية. ومعلوم أن الوعي المسيحي الأوروبي تعرض لأزمة كبيرة بعد صعود الفلسفة والعلم بدءاً من عام (1685). والواقع أن العقلية التنويرية هي تلك العقلية التي فقدت ثقتها باللاهوت الانغلاقي الطائفي والإخوان المسيحيين. ولم تعد تثق إلا بالعلم والفلسفة والعقل والفهم المتجدد والمستنير للدين. إنها عقلية تؤمن إيماناً جازماً بإمكانية التقدم العلمي الذي يحقق للبشر السعادة على هذه الأرض. والواقع أن المحدثين في تلك الفترة كانوا مبهورين بالتقدم الذي حققه علم الفيزياء والفلك من اكتشافات على يد كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن. وكانوا يعتقدون أن انتصار العلم سيؤدي إلى تدشين عهد جديد يؤمن للإنسان السعادة المادية والفكرية على هذه الأرض. وهذا ما تحقق لاحقاً بالفعل. فالعلم هو الذي يقضي على الأمراض التي قد تصيب الإنسان أو تفتك به فتكاً ذريعاً. وهو الذي يؤدي إلى اختراع الآلات التكنولوجية التي تخفف من أعباء الإنسان. وهذا ما تحقق لاحقاً أيضاً. فلم يعد الإنسان يعتمد على عضلاته وإنما على آلاته. وأنوار العقل هي التي تبدد ظلمات الجهل والتعصب الديني الأعمى السائد في أوساط الشعب المسيحي الجاهل والأمي إلى حد كبير. ولا ننسى أن الصراع بين المذاهب المسيحية كان ضارياً آنذاك. وقد أدى إلى حروب أهلية ومجازر مرعبة واكتسح معظم أنحاء أوروبا. وضد كل ذلك نهض فلاسفة الأنوار من أمثال فولتير وسواه.

النزعة الإنسانية

هناك مصطلح آخر سبق مصطلح التنوير في أوروبا ألا وهو: النزعة الإنسانية (هيومانيزم). وقد ظهر هذا المصطلح في عصر النهضة الذي سبق عصر التنوير ومهد له الطريق. وهو يدل على تلك الحركة الأدبية والفكرية التي أدت إلى تجديد الآداب الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية.. إلخ. وكانت الفلسفة الإنسانية تعني الثقة بالإنسان وبقدراته وملكاته. كما كانت تعني رفض العصور الوسطى التي تنعتها بالظلامية والتخلف والتقوقع على الذات. والواقع أن هذه النزعة الإنسانية التي ظهرت في إيطاليا أولاً كانت موجهة ضد اللاهوت المسيحي المتعصب وأصولية الفاتيكان والبابا، ولذلك قفزت على العصور الوسطى المسيحية صعداً إلى الوراء لكي تعانق العصور اليونانية والرومانية الزاهرة التي سبقت المسيحية، ولكن هذه الرجعة الكبيرة إلى الوراء كانت في الواقع قفزة إلى الأمام. لقد أراد النهضويون أن يستمدوا أسلوبهم وغذاءهم الفكري من كبار أدباء الماضي البعيد وفلاسفته: كهوميروس، وفيرجيل، وأفلاطون، وأرسطو، وآخرين عديدين. وعلى هذا النحو حصلت النهضة في أوروبا إبان القرن السادس عشر. يضاف إلى ذلك أنها استفادت كثيراً من علم العرب وفلسفتهم وآدابهم.

مرض العصر ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا