• الثلاثاء 28 ذي الحجة 1438هـ - 19 سبتمبر 2017م

ما يوحّد سكان الضواحي في مدريد والمواطنين الريفيين في شرق ألمانيا الآن هو شعور بتعرضهم للهجر والإهمال من قبل زعمائهم السياسيين، شعور بدا أقوى مما كان يعتقد كثير من السياسيين!

الانقسام الحضري الريفي يعزز «اليمين»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 07 ديسمبر 2016

ريك نواك – لندن

ما شهدته الحياة السياسية في أوروبا خلال العامين الماضيين قد يبدو للبعض أشبه بثورة ريفية على المؤسسة السياسية والاقتصادية. ففي بريطانيا كان الدعم لانسحاب البلاد من الاتحاد الأوروبي أقوى في المناطق الريفية خلال استفتاء يونيو الماضي. كما أن «فرنسا الريفية» هي الداعم الرئيسي للسياسية اليمينية المتطرفة مارين لوبين في انتخابات العام المقبل. وفي ألمانيا، أساءت المؤسسة الحضرية التقدير وقلّلت من شأن رد الفعل الشعبي الذي يمكن أن يثيره التدفق الأخير للاجئين في المناطق الأقل كثافة سكانياً.

في أكبر بلدان أوروبا الشمالية، يبدو أن الانقسام الريفي الحضري قد أثر خلال العام 2016، وليس ثمة ما يوحي بأن 2017 سيكون مختلفاً عن العام الذي سبقه. غير أن الانقسام يمكن أن يؤثر على أوروبا الشمالية بشكل أكبر بكثير مقارنة مع أوروبا الجنوبية، حيث باتت المدن مصدرا لمشاعر الإحباط على نحو متزايد، وليس المناطق الريفية.

والواقع أن أوروبا الشمالية الريفية تعاني من الأزمة منذ سنوات حيث انتقل الشباب المتعلم إلى المدن بحثاً عن عمل. وحتى في جمهوريات فدرالية مثل ألمانيا، حيث لا وجود لهيمنة عاصمة واحدة على بقية البلاد، بات الانقسام بين المدن والمناطق الريفية واضحا بشكل متزايد. إذ بينما تجتذب برلين الأجانب والألمان على حد سواء، فإن المناطق المحيطة بها شهدت تحولا ديموغرافيا سريعاً، حيث أُغلقت متاجر وأُلغيت نتيجة لذلك خطوط نقل تربطها بمركز المدينة. وهذا نسق يمكن ملاحظته عبر كل أوروبا حالياً.

وبالنسبة لأولئك الذين مكثوا في المناطق الريفية، هناك شعور بالهجر والإهمال حل محل الشعور بالفخر بالترعرع خارج المدن الكبيرة وبعيداً عن كل المشاكل المرتبطة بها. هذا الشعور بالهجر والإهمال، وهو الشعور نفسه الذي دفع ناخبي الغرب الأوسط الأميركي لانتخاب ترامب، كان أقوى من نصائح معظم الخبراء الاقتصاديين البريطانيين وجل السياسيين البارزين في البلاد خلال استفتاء هذه السنة حول البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي أو الانسحاب منه.

ولهذا فإن بلدات مثل تيلبُري، في إنجلترا، صوّتت بأغلبية ساحقة لصالح الانسحاب. لكني عندما زرتُ تيلبُري بعد ثلاثة أيام على الاستفتاء، في يونيو الماضي، كانت مشاعر الحماس والفرح الأولى قد اختفت وحلّت محلها مشاعر قلق حول الخطوة المقبلة لبلد ما فتئ يزداد انقساما.

ما أخبرني به سكان تيلبُري يعكس ما كنت سمعتُه في فرنسا وألمانيا أيضا. فالبلدة التي كانت ذات يوم تضم ميناءً مزدهرا يعج بالحركة في جنوب شرق إنجلترا، أطاحت عمليات التسريح الجماعي للعمال التي شهدتها في السبعينيات والثمانينيات بمجدها القديم وحوّلتها إلى واحدة من أفقر مناطق البلاد، ولا يعيش فيها اليوم سوى 12 ألف شخص فقط.

في الإحصائيات الرسمية، تُعتبر تيلبُري منطقة حضرية. لكن الكثير من سكانها يشعرون بأنهم جزء من مناطق بريطانيا الريفية، وبأنهم بعيدون عن المدن المزدهرة والبلدات الكبيرة، كما يشعرون بأنهم عالقون فيها لأنهم لا يملكون ما يعينهم على العيش في مكان آخر.

وبينما يشعر هؤلاء البريطانيون الأصليون بأنهم عالقون في مناطقهم من دون فرص اقتصادية في الأفق، فإنهم يرون صور تركيبة سكانية تزداد تنوعاً في المدن. وبالنسبة للكثير من مؤيدي انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن القلق من تدفق المهاجرين على بلدهم كان من الأسباب التي دفعتهم للتصويت لصالح خيار الانسحاب.

ولئن كان الانقسام الريفي الحضري قد بات القوة الدافعة وراء السياسة في دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا حالياً، فإن ظاهرة مماثلة نسبياً أخذت تُحدث انقسامات داخل المدن في مناطق كثيرة من أوروبا، لاسيما في الجنوب. إن ما يوحّد سكان الضواحي في مدريد والمواطنين الريفيين في شرق ألمانيا الآن هو شعور بتعرضهم للهجر والإهمال من قبل زعمائهم السياسيين، شعور أثبتت هذه السنة أنه أقوى مما كان يعتقد كثير من السياسيين!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا