• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الفيلسوف «النازي» والشاعر «المقاوم» تحاورا بعقلانية

رنيه شار وهايدغر تحت ظلال شجرة الكستناء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 29 يونيو 2015

حسّونة المصباحي (برلين)

مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، فارّا من التهجّمات العنيفة التي كان يتعرّض لها بسبب تعاطفه مع النازيّة خصوصا في بداياتها، أدّى الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر زيارة إلى فرنسا التي كان مفكّروها ومثقّفوها الكبار يجاهرون بإعجابهم الشديد بفلسفته الوجوديّة، غير أن «صاحب الوجود والزّمن» فضّل عدم الالتقاء بالفلاسفة في بلاد ديكارت. ومصحوبا بصديقه ومترجمه، جان بوفريه، اختار زيارة الشّاعر الكبير رنيه شار الذي كان يقيم آنذاك في مسقط رأسه «ليل سور سورغ» بجنوب فرنسا. وتحت شجرة كستناء وارفة الظّلال، حول طاولة وضع عليها الجبن والخبز الأسود، دار حوار طويل بينهما حول الشعر والفلسفة. وكما هو معلوم، كان هايدغر عاشقا للبعض من مشاهير الشعراء الألمان من أمثال هولدرلين، وغيورغ تراكل، وشيلّر، وراينار ماريا ريلكه، وعنهم كتب دراسات في غاية العمق والأهميّة. ومن المؤكّد أنه كان معجبا أيضا برنيه شار. وهذا ما يفسّر حرصه على الالتقاء به. ولا شكّ في أن رنيه شار كان مطّلعا على فلسفة هايدغر، وعارفا بماضيه النّازي. مع ذلك لم يبد أيّ تردّد في استقباله هو الذي كان قائدا لحركة المقاومة خلال الاحتلال الألماني لبلاده. وقد دوّن جان بوفريه وقائع ذلك الحوار العميق بين الفيلسوف والشاعر ليكون وثيقة هامّة وأساسيّة في ما يتّصل بالعلاقة بين الفلسفة والشعر. كتب بوفريه يقول: ”الحوار لا يسعى أبدا إلى الحطّ من قيمة الآخر، والتّنقيص من شأنه مثلما تفعل الفلسفة في ادّعائها بأنّها تضيف إلى مجمل إنقاصاتها، استيتيقا تجعل الشعر في النهاية موضوعا لتفسير الفلسفة، وإنّما هو - أي الحوار - يثابر على السّماح له بأن يكون. لذلك يقول رنيه شار بأنّ «هايدغر هو أوّل فيلسوف لم يحاول أن يفسّر من أنا، وماذا أفعل”. هايدغر ينصت أكثر ممّا يفسّر. ومن هذا الإنصات الذي يلامس حدود الصّمت، تولد محاولة التّواصل من دون جواب، إذ إنّ الجواب كان قد حوّل ما يمكن التفكير فيه إلى مشكلة، أي كما يوضّح ذلك لايبنيتز، إلى مقترح يترك جزء منه فقط للبياض... تماما مثلما نحن نطلب العثور على مرآة تلتقط كلّ انعكاسات أشعّة الشّمس في نقطة واحدة. والشّاعر هو بالتّأكيد تلك المرآة. لكن من دون توجّب العثور عليه. ولأنّه لا يتوقّف أبدا عن التّواري والتّخفّي بهذه الطريقة، لذا هو خطر على الفكر، لكنه خطر لا ينفي الخلاص». ويرى جان بوفريه أن هناك ثلاثة مخاطر تهدّد الفكر: ”الخطر المدهش والمنقذ وهو مجاورة الشّاعر، والاقتراب من نشيده، والخطر الماكر والأشدّ حدّة وشراسة هو الفكر نفسه، إذ عليه أن يفكر ضدّ مقاييسه، وهو ما لا يفعله إلاّ نادرا، والخطر الضّارّ والمفسد الذي يشوّش كلّ شيء، أي أن يتفلسف. «وهنا يستشهد جان بوفريه بجملة لهايدغر يقول فيها: ”الحوار مع الشّعر، إذا ما كان حوارا ينطلق من الفكر... يكون دائما خطرا يهددّ بتعكير صفاء القصيدة الشعريّة عوض أن تترك لها روعة صوتها». لذلك، يكون الحوار بين الشاعر والشاعر أقلّ خطرا من الحوار بين الفيلسوف والشّاعر. وهذا ما تثبته حوارات شعراء من أمثال هولدرلين، ورونسار، وفيكتور هوغو، مع الشّعراء الإغريق، أو الرّومان. كما تثبته حوارات رنيه شار من خلال بعض قصائده مع رامبو، وبودلير، وملاّرميه. غير أن الشعر يمكن أن يتحاور مع الفكر من دون أن يفقد جمال صوته، وصفاء كلماته. وهذا ما تعكسه قصيدة بارمينيدس المحّمّلة بالعديد من الأفكار الفلسفيّة والميتافيزيقيّة. ويمكن للشعر بحسب رنيه شار أن يكون مولّدا لأفكار فلسفيّة من خلال ما يسمّيه التّدمير العرسيّ الذي مارسه رامبو بحيث«لم يعد الشعر يوقّع للفعل، بل أصبح سابقا له». ومرّة أخرى يستشهد جان بوفريه بهايدغر الذي يقول: «مصير العالم يعلن عن نفسه في أعمال الشّعراء من دون أن يكون قد ظهر وتجلّى كتاريخ للوجود». كما يستشهد برنيه شار الذي يقول: «مع كلّ انهيار للحجج والبراهين، يجيب الشّاعر برشْقات من المستقبل». كما يقول: «الشّعر هو من بين كلّ المياه الصّافية أقلّ من يبطئ عند انعكاسات جسوره».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا