• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

رفع الصليب المعقوف خط أحمر في ألمانيا. وترفع جماعات الهامش الأوروبية رمزاً آخر، لتمثل عقيدة كراهيتها، وهو علم الكونفدرالية الأميركي

الصليب المعقوف.. وعلم الكونفدرالية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 27 يونيو 2015

هناك ظلال من عدم الوضوح تكتنف الجدل المحتدم بشأن رمز أميركي مثير للجدل، وفي تجل لعمق الإشكالية التي يمثلها التسامح الذي تجيزه الولايات في رفع علم الكونفدرالية، يقارن بعض الأشخاص بين علم الكونفدرالية والصليب النازي المعقوف. وفي برنامج أذيع في الآونة الأخيرة في شبكة «أيه. بي. سي» أكدت الناشطة والممثلة الأميركية الأفريقية «ووبي جولدبيرج» أن التسامح مع علم الكونفدرالية سيكون مثل «وجود علم الصليب المعقوف يرفرف فوق منزل جارك المباشر... إن استمرار رفع علم الكونفدرالية مفاده: لا تنسوا هذا الجزء البشع حقاً من التاريخ»!

ومن المؤكد أن ألمانيا النازية مختلفة سياسياً بشدة عن تاريخ الكونفدرالية الأميركية، والاختلاف في السياق التاريخي شاسع بينهما، ولكن النفور المتزايد في أميركا من شعار الكونفدرالية لا يوحي بالضرورة أن الأميركيين بعد قرن ونصف القرن من الزمن أصبحوا يقبلون في نهاية المطاف ما تعتقد «جولدبيرج» بأن الشعار يمثله، من حيث إنه ليس تراثاً وليس موضع فخر ولا شعاراً لهوية الجنوب، ولكنه نظام للبيض العنصريين الذين خاضوا الحرب ضد الاتحاد للإبقاء على ممارسات الاسترقاق والعبودية غير الإنسانية. إنه تراث وأيديولوجية لا يستحقان الاحتفاء بهما من مؤسسات الحكومة في أميركا القرن الحادي والعشرين.

والمقارنة بهذا المعنى مع الصليب النازي المعقوف أقرب ما تكون، فبعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة «الرايخ الثالث» حُظرت شعارات وأعلام النازية، ونزعت من الأزياء الرسمية وتم تفجيرها من واجهات المباني، واعتبرت في نهاية المطاف انتهاكات في قانون العقوبات الألماني باعتبارها رموزاً لمنظمة غير دستورية. وقد ذكر مقال نشر عام 1946 في مجلة «تايم» أن قوات الحلفاء المحتلة شنت حملة لا هوادة فيها لإزالة أي أثر لرموز النازية من الأدب، إلى المتاحف، والمكتبات والصحف والأفلام، إلى نصب الحرب التذكارية المرتبطة بنظام هتلر. ولم ينجُ من هذا إلا شواهد القبور، وما زال محظوراً حتى اليوم عرض أي صليب نازي معقوف، أو أي شيء يتعلق بالتحية النازية، أو حتى أحياناً أي احتجاج تهكمي مرتبط بالفاشية.

ولن تجد أي سياسي ألماني جاد، ناهيك عن سياسي ينافس على قيادة البلاد، يؤكد في عام 2015 على أن الصليب النازي «جزء من كياننا»، ولا توجد تماثيل لزعماء النازية تصطف في ميادين المدن الألمانية، بل ينتصب في قلب العاصمة شاهد مؤلم على آثام وفظائع الماضي الجماعية. والتباين واضح هنا بين هذا والطريقة التي ما زالت تحتفل بها ولايات أميركية معينة بزعماء الاتحاد الكونفدرالي، وإطلاق أسماء جنرالات الكونفدرالية على الطرق، ورفع أعلام الكونفدرالية بشكل بارز. وربما أنهت الحرب الأهلية الاسترقاق والعبودية، ولكن إطلاق النار داخل كنيسة للسود في الآونة الأخيرة في تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية كشف أن ثقافة الكراهية ما زالت قائمة. وقد تجددت معركة علم الكونفدرالية، بعد ما يقرب من قرن على خوض جماعات الجنوب المعارضة لجهود إلغاء التمييز العنصري للحرب الأهلية. وهذا لا يعني أن أي أيديولوجية ضارة تندثر بسهولة مع تواري رموزها عن الأنظار.

فلم تختف النازية وشرها السياسي بين عشية وضحاها مع التخلص من الصليب النازي، وجهود القضاء على النازية التي شنتها قوات الحلفاء كان تأثيرها محدوداً، وقد رصد المؤرخ «توني جود» أنه في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية ظل هناك تعاطف كبير مع النظام القديم. وكشف استطلاع للرأي عام 1946 أن واحداً من كل ثلاثة من سكان ألمانيا الغربية وافقوا على مقولة، إن اليهود يجب ألا تكون لهم نفس حقوق الجنس الآري. وكشف استطلاع آخر للرأي في عام 1952 أن نحو 52 في المئة من سكان ألمانيا الغربية لديهم رأي جيد عن هتلر! وبعد عام 1949 عمّ ألمانيا الغربية جو من فقدان الذاكرة حول فظائع الحكم الإبادي لهتلر، بالإضافة إلى درجة من الاستياء من معاملة الحلفاء لخصمهم المهزوم.

وفي الولايات المتحدة ربما يعتقد البعض أن الحساب الذي طال تأجيله تجري تصفيته الآن. وفي المقابل في ألمانيا ما زالت الرقابة على رموز النازية محل جدل، ومازال كثيرون يتصارعون حول ضرورة الحفاظ على الحريات الليبرالية وإدراك شرور «الرايخ الثالث.» وجماعات اليمين المتطرف والنازية الجديدة موجودة ومنظمة في البلاد، ولكن رفع الصليب المعقوف يمثل خطاً أحمر لا يستطيع أحد تخطيه، وأحياناً ترفع جماعات الهامش الأوروبية رمزاً آخر لتمثل عقيدة كراهيتها وهو علم الكونفدرالية الأميركي!

إيثيان ثارور*

*كاتب متخصص في الشؤون الخارجية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا