• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

تماثل في البنى الفكرية والثقافية والتطلعات المستقبلية

حبل الثقافة يصل بين الإمارات والسعودية عبر التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 03 ديسمبر 2016

محمود عبد الله (أبوظبي)

يمكن أن نصف العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بـ «النوعية» و«الاستثنائية»، كونها علاقة راسخة متجذرة عبر عقود طويلة من الزمن. فهذه العلاقة متشعبة في أشكالها وألوانها وارتبطت بوشائج أخوية، وتاريخية، وجغرافية، امتدت لتاريخ طويل من الصفاء والنقاء والتفاهم المشترك، واصلت خلالها قيادتا البلدين الشقيقين تعزيزها في مختلف المجالات، حتى نمت وتطورت على مختلف الصعد، خاصة العلاقات الثقافية التي ترتبط بحكم الجغرافيا بهوية واحدة، وتتطلع نحو أفق ثقافي يعزز من شأن الشخصية الخليجية، أمام تحديات العصر أو يمكن أن نسميه بـ «عولمة الثقافة»، حيث إنهما شريكان استراتيجيان في المنطقة، ويرتبطان بعلاقات أخوية كبيرة، ولهما مصالح مشتركة تلتقي في كثير من القضايا والملفات التي تواجههما، فضلاً عن دور العوامل التاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تعزز التعاون المشترك بينهما.

مجلس التعاون

يعتبر تشكيل مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981م، المحور الأساس في تنظيم العلاقة بين البلدين، وكان ولا يزال هو الأبرز، حيث شهدت الإمارات تدفق أفواج من العلماء والدعاة والشعراء الذين كانوا يأتون إما للدعوة وبث العلم بين أهالي المنطقة، ومن ذلك ما كتبه بلال البدور الوكيل المساعد للثقافة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع آنذاك (2011 م) وسفير الإمارات لدى الأردن حالياً، في ورقة عمل بحثية قدمها في ندوة مصاحبة للنسخة الثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب بقوله: «إن العلاقات بين البلدين قديمة قدم وجود بشر على هذه الأرض المتجاورة، وإن رابطة الدين واحتياج الناس للحج إلى مكة المكرمة واقع يؤكد عمق هذه العلاقة وبعدها التاريخي، أما العلاقة الثقافية بين الإمارات والسعودية، فعلاوة على دور الحج في الجانب الثقافي، حيث يلتقي الناس من كل قطر في حلقات الذكر والدروس والوعظ، وتتاح لهم فرصة التواصل وشراء الكتب، ولقد كانت هناك على الدوام جسور أخرى تهيئ لهذا التواصل، منها على سبيل المثال لا الحصر، التعليم والأوقاف والقضاء، حيث يبرز في هذا المقام الدور الذي لعبه مثقفو الإمارات في المملكة، وهي من بين عوامل أخرى كان من شأنها أن ترتقي بهذه العلاقة إلى مصاف المشترك الثقافي والاجتماعي والإنساني التي تذوب تحت لوائه أي فروقات بين المجتمعين.

وشكلت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة مظهراً من مظاهر ذلك العمل الثقافي المشترك، ذلك أن العلاقة بين هذين البلدين كانت في كثير من جوانبها الأساس الذي بنيت عليه بنود اتفاقيات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، فمنذ مطلع القرن العشرين، ومع حكم الملك عبدالعزيز آل سعود بدأ التواصل بين السعودية والإمارات، سواء على مستوى التحالف بينه وبين شيوخ المنطقة أو على حضور الدعاة وشيوخ العلم إلى المنطقة، ما أسهم في ظهور البوادر الأولى للمحور السياسي المعروف بالخليج على قاعدة التماثل في البنية الاجتماعية والاقتصادية واللغة والدين والجوار، أبناء الملك عبدالعزيز من بعده عملوا على تأكيد ذلك التواصل، خاصة الملك فيصل الذي دعم بقوة وبشكل مباشر تأسيس اتحاد الإمارات، وما وطده هو توجه الملوك الذين جاؤوا من بعده، لصياغة نوع فريد من العلاقات بين البلدين».

تقارب وتشابه

هناك تشابه وثيق بين الخطط الثقافية والمؤسسات ذات الصلة بين البلدين، كمظهر من مظاهر التقارب والتماثل في البنية والتفكير الثقافي، سواء على المستوى الرسمي أو الأهلي، حيث تتشابه بعض المؤسسات والمشاريع الكبرى في أهدافها وتقترب في طموحاتها وتحمل أبعاداً فكرية متقاربة تجاه التحديات التي تواجه الثقافة الخليجية بشكل عام، كما يظهر في أداء مؤسسات مثل: مركز زايد للتراث والتاريخ الذي يسمى الآن مركز زايد للدراسات والبحوث بأبوظبي، ودارة الملك عبدالعزيز، ومؤسسة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، ومؤسسة سلطان العويس الثقافية في دبي، ومركز جمعة الماجد في دبي، ومركز حمد الجاسر الثقافي في الرياض، وجائزة الملك فيصل العالمية وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، ومشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ونعتقد أن ذلك ربما يؤدي دوراً تكاملياً يمكّن من النظر إليه بشكل إيجابي عندما ننظر إلى ما يحققه من أهداف بعيدة، وهو ليس دوراً محلياً فقط، لكنه أيضاً دور عربي، وأحياناً يتخطى الثقافة العربية إلى ثقافات أخرى.

لا يمكن حصر أوجه التعاون في مجالات الثقافة والفنون وغيرها بين البلدين شبه المتكاملين في هذه النواحي، ومن ذلك مشاركة الإمارات بمهرجان الجنادرية للثقافة والتراث، بإشراف هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ويتضمن الحضور الإماراتي اللافت في هذا الجناح مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تجسد عمق وأصالة الموروث الشعبي الإماراتي، وكذلك ما أنجز مؤخراً بإنشاء مجلس تنسيقي بين البلدين، فقد عززت السعودية والإمارات من التعاون القائم بينهما، بالتوقيع على محضر إنشاء مجلس تنسيقي بين البلدين، بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويهدف المجلس إلى التشاور والتنسيق في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وفي المجالات كافة، كما يأتي توقيع الاتفاقية بين البلدين، اللتين تربطهما الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والعضوية بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاقاً من حرصهما على توطيد العلاقات الأخوية بينهما ورغبتهما في تكثيف التعاون الثنائي عبر التشاور والتنسيق المستمر في مجالات كثيرة، من بينها المجالات الثقافية، استناداً إلى توجيهات قائدي البلدين، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود. ويرأس المجلس من الجانب السعودي، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، ومن الجانب الإماراتي، سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة. وفي مجال الثقافة والفنون على سبيل المثال لا الحصر، استضافت دبي، قبل فترة معرضاً تشكيلياً بعنوان (إشراقات سعودية)، بحضور الشيخة الدكتورة هند بنت عبد العزيز القاسمي رئيسة نادي الإمارات لسيدات الأعمال والمهن الحرة، والدكتور صالح الدوسري الملحق الثقافي في قنصلية المملكة العربية السعودية في دبي، وأكد الدوسري خلاله حرص الملحقية الثقافية على دعم المبادرات كافة التي تعزز الحضور الثقافي السعودي وفق الخطى والرؤى الثقافية للمملكة، لافتاً إلى العديد من الفعاليات الثقافية التي تحتضنها دولة الإمارات بمشاركة سعودية بارزة تعكس البيئة الثقافية والفكرية الخليجية والسعودية تحديداً. ومن اللفتات المهمة التي تعكس عمق العلاقات بين البلدين، ما تقوم به الهيئة السعودية للأندية الطلابية في الإمارات من تنفيذ برامج الاحتفاء السعودي باليوم الوطني الـ 45 لقيام دولة الاتحاد ضمن منظومة المبادرات الأخوية المتنوعة التي أطلقتها الملحقية الثقافية السعودية في الإمارات تحت شعار «اتحاد ينبض في ذاتي.. سعودي إماراتي» وباهتمام من السفارة السعودية في أبوظبي ومشاركة القنصلية العامة في دبي، وذلك على صعيد مبادرات الوفاء والعلاقات الأخوية والشراكة الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا