• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

التوزيع الديموغرافي لطرفي الصراع يرتسم على خطوط استقطاب عرقي ولغوي، بين اللغتين الروسية والأوكرانية

أوكرانيا.. حرب الوكالة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 26 يونيو 2015

ضمن زحمة حركة الإصدارات والنشر في أوروبا خلال الأشهر الأخيرة حول أوكرانيا  وأزمتها التي تتصدر الأحداث وعناوين الأخبار منذ 18 عشر شهراً، يأتي كتاب الصحفي الفرنسي آلان غوييُّومول: «أوكرانيا.. استفاقة أمة» باعتباره أحد أكثر هذه الإصدارات عمقاً وتوثيقاً ومعرفة بطبيعة ذلك البلد، وتعقيدات علاقاته مع جارته الكبرى روسيا، خاصة أن المؤلف عمل في السابق مراسلاً لوكالة الأنباء الفرنسية في العاصمة الأوكرانية كييف.

وينطلق المؤلف من بدايات الأزمة الحالية مع اندلاع احتجاجات خريف 2013 التي تحولت بسرعة إلى حالة تمرد، ثم ثورة، لينتهي بها المطاف إلى ما يشبه حالة حرب. وفي ثلاثة أشهر عاصفة عبرت أوكرانيا، يقول الكاتب، عن رغبتها القوية في الاتجاه غرباً، نحو أوروبا، وهو ما لم يرق لروسيا، لتنشب بعد ذلك تلقائياً أخطر أزمة تعرفها القارة العجوز منذ عشرين سنة، وتحديداً منذ نزاعات وصراعات ما بعد تفكك يوغوسلافيا السابقة. ووراء هذا النزوع الأوكراني نحو أوروبا الغربية تقف رغبة قوية بتأكيد الاستقلال الوطني، وهي رغبة ظلت تزداد رسوخاً منذ الانفصال عن الاتحاد السوفييتي السابق بعد تفككه في سنة 1991. وقد حصلت أوكرانيا يومها على استقلال يعتبره الكاتب في البداية صورياً، وذلك بحكم بقاء البلاد في حالة تبعية واسعة لروسيا، وهي ما عملت موسكو على إبقائه والحفاظ عليه، في رأي الكاتب. ولكن الخروج على هذه التبعية بدأت بوادره في الثورة البرتقالية سنة 2004، وهو ذات المد السياسي، الذي عاود الظهور أيضاً في سنة 2013، في تظاهرات «ميدان» بالعاصمة كييف، تعبيراً عن التعلق بأوروبا، ورغبة في الانضمام إليها، وخاصة أن بداية الاحتجاجات على نظام الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، كانت بسبب امتناعه عن المضي قدماً في توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتفضيله التوجه إلى الاتحاد الأوراسي بزعامة روسيا.

ويتتبع المؤلف في صفحات كتابه الـ210، بعض فصول تاريخ أوكرانيا وما عرفه من تجاذب بين الاتجاه شرقاً للدوران في الفلك الروسي، أو الاتجاه غرباً نحو القارة الأوروبية الغربية، ولكل من الاتجاهين أنصاره ومؤيدوه، والمشكلة الأكبر والأخطر في هذا أن التوزيع الديموغرافي لأنصار كلا الاتجاهين يرتسم أيضاً على خطوط استقطاب عرقي ولغوي، بين الناطقين بالروسية ذوي الارتباط التاريخي بروسيا، والناطقين باللغة الأوكرانية الذين يتخذ بعضهم مواقف شديدة السلبية تجاه كل ما له علاقة بالجارة الكبرى الشرقية. ووجود مثل هذا الاستقطاب العرقي واللغوي والثقافي، مترجماً في تنافس سياسي، وتالياً في صراع عسكري محتدم، يدعم فيه كل واحد من الطرفين أنصاره في الشرق أو الغرب، هو ما تكشّف عن أزمة الصراع الراهن في الأقاليم الشرقية التي يسيطر عليها المتمردون الموالون لروسيا وخاصة في مناطق لوهانسك ودونباس (حوض الدون) والمدن الصناعية الكبرى مثل دونيتسك وغيرها. ولكي تحافظ أوكرانيا على وحدتها الوطنية، وتعيد رسم علاقاتها بتوازن مع جوارها الشرقي والغربي، يبدو من الضروري وضع كافة الخصوصيات التاريخية والسياسية والثقافية لذلك البلد في الحسبان، بدلاً من دفعه في أتون حرب وكالة عقيمة بين الشرق والغرب سيكون هو الطرف الخاسر فيها بكل المقاييس.

حسن ولد المختار

الكتاب: أوكرانيا.. استفاقة أمة

المؤلف: آلان غوييُّومول

الناشر: لي بيتي ماتين

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا