• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

شخصيات وألقاب

قيس بن سعد.. داهية العرب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 26 يونيو 2015

محمد أحمد (القاهرة)

قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، صحابي جليل، من دهاة العرب، كان حكيماً ذا رأي ومكيدة في الحرب، ويعرف بالشهامة والجود، وكانت أسرته تعرف بالثراء والكرم، ومن عادة الأسر الثرية أن يكون لهم منادٍ يقف فوق مكان مرتفع ينادي الضيوف ليدعوهم للطعام نهاراً أو يوقد النار لتهدي الغريب ليلاً.

قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الجود شيمة أهل هذا البيت»، وحين أسلم سعد أخذ بيد ابنه قيس، وقدمه إلى الرسول قائلاً: «هذا خادمك يا رسول الله، ورأى النبي في قيس سمات التفوق وعلامات الصلاح، فقربه منه وظل قيس صاحب هذه المكانة».

قال أبو بكر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - عن جود قيس وسخائه: «لو تركنا هذا الفتى لسخائه لأهلك مال أبيه»، وعلم أبوه سعد بمقولتهما، فقال: «من يعذرني من أبي قحافة وابن الخطاب، يبخلان عليّ ابني».

ويروى أنه اقرض أحد إخوانه المعسرين، واسمه كثير بن الصلت، قرضاً كبيراً، وفي الموعد المحدد للسداد ذهب الرجل يرد إلى قيس قرضه، فأبى أن يقبله، وقال: «إنا لا نعود في شيء أعطيناه». ومرة باع تجارة له بـ 90 ألفاً، ثم أمر ينادي بالمدينة، من أراد القرض فليأت، فجاء إليه أناس كثيرون فأقرضهم 40 ألفاً وتصدق بالمتبقي.

كان قيس قبل الإسلام يعامل الناس بذكائه، ولا يحتملون منه ومضة ذهن ماكرة، كل من في المدينة وما حولها يحسب ألف حساب لدهائه، ذلك أنه حاد الذكاء، واسع الحيلة، متوقد الذهن، فلما أسلم علمه الإسلام أن يعامل الناس بإخلاصه، لا بدهائه، فنحى دهاءه جانباً، وكلما واجه موقفاً صعباً يأخذه الحنين إلى دهائه، فيقول عبارته المأثورة «لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب».

كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وعرف بشجاعته وأقدامه وبسالته، وحمل لواء الأنصار مع الرسول، وشهد الغزوات، وأعطاه النبي الراية يوم فتح مكة، بعد أن أخذها من أبيه سعد، حيث كان قيس فارساً مقداماً ومجاهداً عظيماً. في فترة خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولاه على مصر سنتين «36 - 37هـ»، إلا أنه عزله، وولى بدلاً منه محمد بن أبي بكر، بعد أن نشب الخلاف بين علي ومعاوية.

كانت عين معاوية على مصر، وعندما رأى أن قيساً تولى إمارتها خشي أن يحول بينه وبين مصر، فاستخدم الحيلة والمكر ضد قيس حتى استدعاه علي رضي الله عنه من مصر. عاد قيس، وكان في مقدمة رجال علي بن أبي طالب بعد ذلك في معركة «صفين» سنة 37هـ ضد معاوية، فأدرك بدهائه أن معاوية أوغر صدر الإمام علي، بعد أن فشل في استمالته إلى جانبه، فرد على مكر معاوية بالولاء لعلي، ووجد قيس فرصة ليستعمل ذكاءه، فلم يتأثر بأنه عزله عن مصر، فكان يجلس مع نفسه، فيرسم الخدعة التي يمكن أن تودي بمعاوية ومن معه، إلا انه يتفحص خدعته هذه فيجدها من المكر السيئ الخطر، فيذكر قول الله تعالى: (... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ...)، «سورة فاطر: الآية 43»، فيهب من فوره مستغفراً.

بعد استشهاد علي بن أبي طالب بايع قيس الحسن،، وقاد خمسة آلاف رجل لحرب معاوية، لكن الحسن آثر أن يحقن دماء المسلمين. فرجع قيس إلى المدينة، فكان يرى أنه مهما يكن في موقف الحسن من الصواب، فإن لجنوده الحق في اختيار مصيرهم، فيجمعهم ويخطب فيهم: «إن شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وان شئتم أخذت لكم أماناً»، واختار جنوده الأمان، فأخذ لهم الأمان من معاوية، وتوفي بالمدينة المنوّرة عام 59 هـ.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا