• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

تانجو حتى الملل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 11 يوليو 2014

بدر الدين الإدريسي

ما بين وجهي عملة نصف نهائي المونديال، ستحتفظ الذاكرة بلا أدنى شك بالوجه الأسطوري والمخملي، بل والسحري للنصف الذي وضع البرازيل في مواجهة ألمانيا ومنه روى التاريخ عطشه وتغذى من الأرقام الفلكية، وانشغل الناس بعده إما بالبكاء والنحيب على الدمار الذي أصاب البرازيليين في معقلهم وإما بالفرح الغامر من الانتصار الذي حققته الكرة الواقعية مع الماكينات الألمانية وإما بالدهشة من السفر المجنون الذي دعانا إليه هذا النصف الأول إلى درجة أن الناس ما وجدوا في الحقيقة حماساً ولا شغفاً بالنصف النهائي الثاني الذي وضع في المواجهة التانجو الأرجنتيني والطاحونة الهولندية.

وأظن أننا ما أضعنا شيئاً ولا أهملنا مطالعة هذا الوجه من فرط التخمة، لأن مباراة الأرجنتين وهولندا جاءت مشنوقة تكتيكيا لحد الملل ومشروخة فنياً إلى الحد الذي يصيب بالوجع قبل القنوط.

قلت عند استقراء الملمح التكتيكي الذي كان يظهر به المنتخب الأرجنتيني، والمصمم بعناية فائقة، وباحتراز مبرمج من مدربه سابيلا، أن التانجو لا يريد أن يسكن كل أسراره في البرغوث ليونيل ميسي، وهو العارف يقينا أن الأسطورة الصغيرة توضع في كل رحلة قنص في مجهر المنافسين، لذلك قرر أن يتقدم بتؤدة وبخطى واثقة، متسلحاً بدفاعية جماعية لا تبقى مجالاً حتى للتفاصيل والجزئيات الصغيرة، لا يهمه في ذلك أن يكون عرضه أقل من المتوقع ولا يكترث بأن تصيب مبارياته كل من شاهدها بالملل، فما يعتبره سابيلا أولوية هي أن يكون التأهب للمسح الدفاعي في حالاته القصوى، وقلت أيضاً: إن هذا المنتخب الأرجنتيني الذي تشبه كل مبارياته قفر الصحاري التي يكون فيها ميسي هو نقطة الماء المستحيلة، سيكون عند مواجهة الطاحونة الهولندية في وضعية جد معقدة بالغياب الاضطراري لرقم صعب في معادلة هذا الأداء المركب، أنخل دي ماريا.

وإذا كان التانجو الأرجنتيني يدين بالفضل في الانتصارات الخمسة التي حققها باحتشام كبير ومن دون إقناع، وهو في طريقه لنصف النهائي لليونيل ميسي أولاً ولأنخل دي ماريا ثانياً وللنجاعة الدفاعية غير المسبوقة ثالثا، فإنه يدين بالفضل في عبور المطب الهولندي والإطلال الأولى على نهائي المونديال منذ 24 سنة للحظ الذي جعل من حارسه سيرخيو روميرو أسطورة هذا المونديال بفضل تألقه في صد ركلتين ترجيحيتين، ولماسكيرانو الذي نجح لأبعد حد في عزل أريين روبن، في وضع المتاريس أمام الصاروخ، وفي ضرب العقل المدبر للمنتخب الهولندي.

نتفق على أننا كنا أمام أمسية كروية بئيسة شاهدنا منها نسخاً كثيرة في هذا المونديال، بسبب ما كان عليه المدربان من احتراس تكتيكي مبالغ فيه، انعكس على اللاعبين فأحال المبدعين منهم إلى عيون جافة وإلى سحب غير ماطرة، إلا أننا لا نتفق على أن منتخب الأرجنتين سيكون في المباراة النهائية أمام ألمانيا صورة من الفريق الذي تركنا في المباريات التي لعبها حتى الآن في حالة جوع وعطش، بالقدر نفسه الذي لا أتفق مع من يقيمون مقارنة بين أرجنتين مونديال المكسيك سنة 1986 وأرجنتين مونديال البرازيل سنة 2014، بين التانجو الذي قاده دييجو مارادونا والتانجو الذي يقوده اليوم ليونيل ميسي، فبين الزمنين وبين المنتخبين وبين الأسطورتين فوارق لا تقبل بالقياس وقاعدة ذهبية تذكر على مسمع من التاريخ، أن لكل زمن رجاله ولكل مونديال أساطيره.

وللمونديال نهاية نتمنى أن تكون أجمل من كل البدايات.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا