• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا - حروف التكوين وأنوثة التراب

الوطن.. ما هو؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 ديسمبر 2016

عبد العزيز جاسم

في هذه اللحظة الفارقة من الزّمن الضَّاري والدّمويّ الذي يجتاح العالم الآن، حيث الأوطان العربية من حولنا تُخترق وتُفَتَّت وتُحْتَل وتتساقط كأوراق الخريف. أقول: لكم نحتاج فعلاً في المقابل، إلى تعميق فهمنا بأوطاننا وتقوية ارتباطنا وانتمائنا بمكوناتها بقوّة. فالوطن، ليس شعاراً فارغاً ولا كلمة سائبة نردّدها من دون فهم ولا معنى؛ وإنّما هو حياة كاملة نعيشها بتفاصيلها ونحلم بها ونعيها ونبنيها معاً ونضحي من أجلها. وبناءً عليه: وبمناسبة اليوم الوطني للاتحاد ويوم الشَّهيد، واللذين أعتبرهما أعراساً للعزَّة والكرامة الوطنية؛ أكتبُ هذه الخَطَرات المتأمّلة عن الوطن. وبما أنني أقصدُ التِمَاس المعنى العميق من وراء ذلك؛ وجَدْتُني أعاود النظر من جديد، في هذه الكلمة المُذَّهبة التي تسكن أرواحنا وأفئدتنا دائماً: الوطن! فما الذي تعنيه حقاً مقولة الوطن؟ وكيف تشتغل فينا وتكوّننا، وكيف نتوحد بها وتتوحد بنا؟ ثم من أي الأغوار الدفينة تأتي هذه الكلمة الحارقة، لتصعد من قلوبنا كالنّار الصاعدة إلى أرواحنا وعقولنا مباشرةً؟ ولماذا كلما نطقناها وتذكرنا تفاصيل مداراتها، اكتسينا بالشوق والحبّ والشجن الشفيف حتّى الدمع، وعلت محيانا آلام وأفراح العالم كلها؟

عن هذه الكلمة وحدها إذاً، وما يدور في فلكها، أريدُ أن أكتب وأعيد اكتشافها.

1

في البدء، قد تتبدَّى مقولة الوطن، كما لو أنها قيلت في وقت من الأوقات، لمرة واحدة فقط وإلى الأبد. هكذا، مجرد كلمة من ثلاثة حروف: و، ط، ن، وكفى! فهذه المقولة، لفرط ما تم تداولها وتقديسها وتقديم الغالي والنفيس وأرواح الشهداء والأبرياء من أجلها، عبر الحقب كلها؛ قد أصبحت في أذهان معظم الناس من المسلمات والبديهيات الشائعة، التي قد تبدو وكأنها لا تحتاج إلى أي تفكير أو كدّ عقل بشأنها. فهي بالنسبة لهؤلاء شيء فطري، واضحة، وبسيطة، ولا تحتاج إلى أي تعقيد. ولكن، إن كان هذا صحيحاً في جانب صغير من الجوانب؛ إلاَّ أنه لا يجانبه الصواب دوماً، من جوانب أخرى كثيرة. لأن الاعتماد على الجانب الفطري والبديهي وحده في العلاقة مع الوطن، وخاصة لدى الشباب والناشئة منهم، لا يجنبهم ولا يحميهم من السقوط في براثن المتربصين بالوطن. كما لا يصونهم ولا يضمن لديهم، حس الولاء والانتماء والوعي بضرورة المحافظة على قدسية الوطن، وعدم التهور والانجراف وراء إغراءات الانحراف والخيانات المحتملة.

لذا، إن كان الوطن، هو نظام اجتماعي وتربوي واقتصادي وسياسي وقانوني؛ فإنه في الصميم هو نظام ثقافي في معناه ومبناه. لأنه يتجلَّى بقوة، فيما تم نقشه على جلود الشعب من أثر وأحاسيس وعواطف، وما تم زرعه من ثقافة في صدورهم وذاكرتهم وعقولهم وخلجاتهم طوال حياتهم، من المهد إلى اللّحد، ما شكَّل بالتالي سيرتهم التاريخية وهويتهم الاعتبارية التي تميزهم عن سواهم. ولعل هذا بالضبط، ما يجعل الثقافة دائماً هي رديفة الوطن وعنوان وجوده في الأساس. فالوطن يكون من الصعب تفسيره أو استيعابه، من دون النظر إلى التراث الثقافي الروحي والمادي الذي شكَّل شعباً من الشعوب، وحفر عميقاً في تلافيف أغواره وأغوارهم معاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف