• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

زمان كنا نتحدث عن إرهاب الدولة وقمع السلطة. الآن أصبح الإرهاب شعبياً وطائفياً ومذهبياً

دراما الإرهاب عرض مستمر.. والقادم أدهى وأمر!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 24 يونيو 2015

كل إرهابي يرى نفسه النبي صلى الله عليه وسلم ويرانا نحن جميعاً الكفار والمنافقين، ويرى حتى اليقين أن الله تعالى يخاطبه هو بقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ...) يعني هو مأمور شخصياً بأن يقاتلنا ويقتلنا ويكون فظاً غليظاً معنا ويمثل بجثثنا ولا تأخذه بنا رحمة ولا رأفة ولا شفقة، ثم في نهاية المطاق هو يدخل الجنة ونحن مأوانا النار وبئس المصير.

هذا والله حق مثلما أنكم تنطقون - الإرهابي العربي، والإرهاب لم يكن أبداً غير عربي - ممثل بارع يعيش حالة تقمص وتوحد مع شخصية النبي أو الصحابي أو التابعي أو الخليفة حتى يذوب فيها. وهو يعيش مع الشخصية التي رسمها المخرج لا مع الشخصية الحقيقية. يعني النبي أو الصحابي أو التابعي أو الخليفة كما يراهم المخرج والمؤلف. فالإرهاب مجرد فيلم عربي دموي أبطاله يعيشون ويتقمصون أدوارهم بكل براعة. حتى في اللغة الفصحى (المشوهة) التي يتحدثونها. هم يلتزمون بالسيناريو والحوار بكل دقة. وقد تلبستهم الشخصيات التي يلعبونها حتى تعذر عليهم الخروج والتخلص منها.

وهذه حال نجوم التمثيل الذين تتلبسهم الأدوار والشخصيات كما يتلبس الجن البشر، ويصعب عليهم حتى المستحيل التخلص من هذه الشخصيات ويتحولون إلى سجناء للشخصية أو الدور حتى تضيع منهم شخصياتهم الحقيقية. فيأكل الواحد منهم كما تأكل الشخصية ويتحرك ويتحدث ويضحك ويبكي وينام مثلها. ويمكن لممثل منحرف ليست له أي علاقة بالدين أن يبرع في تجسيد شخصية صحابي أو تابعي أو خليفة زاهد أو عالم دين من الأئمة والفقهاء الكبار، فالمسألة لا تتطلب سوى التقمص والتلبس وحفظ الدور أي أنها مسألة مظهرية لا علاقة لها بالجوهر أو الوجدان أو القلب. وهذا بالضبط ما يفعله الإرهابيون فقد لا تكون لهم أي علاقة بجوهر الدين، وأن الإسلام أو القرآن لا يتجاوز حناجرهم وألسنتهم وزيهم ولحاهم، لكنهم يبرعون في تجسيد الشخصيات ويحصدون بهذا التقمص جماهيرية عريضة. والرصد الدقيق والتأمل المتأني يؤكد أن الدراما التي نطلق عليها دراما دينية أو حتى تاريخية مرتبطة بالدين قد تراجعت تماماً ولا تحظى بأي مشاهدة أو بإقبال من جهات الإنتاج عليها ولم يعد لها نفس الزخم الذي كانت تحظى به في الماضي والسبب المباشر لتراجع هذا النوع من الدراما، هو أنها صارت واقعاً معاشاً في كل الدول العربية تقريباً، وأن الإرهابيين سحبوا البساط تماماً من تحت أقدام نجوم الدراما الدينية والتاريخية. وكل التفاصيل والسيناريوهات والحوارات والمجاميع والمعارك والغزوات انتقلت من الشاشات إلى العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، وتونس، ومصر، وكل الأرض العربية تقريباً. حيث صارت هذه الأرض مسرحاً لعمل درامي دموي كبير لا نهاية لحلقاته وفصوله الكارثية.

نحن جميعاً لم نعد مشاهدين ولا ممثلين في عمل درامي ديني على الشاشة، ولكننا أصبحنا مشاركين أصلاء في هذا العمل كأبطال أو بأدوار ثانوية أو كومبارس متكلم أو صامت.

فالعمل الدرامي الدامي على الأرض العربية تدور أحداثه بين المؤمنين والكفار والمنافقين والمشركين، ونحن بالطبع الكفار والمنافقون والمشركون، بينما الإرهابيون بكل أطيافهم وألوانهم هم المؤمنون والصحابة والمجاهدون. وهم الذين يطبقون علينا النص القرآني الذي حولوه إلى سيناريو خاص بهم ينفذونه ضدنا، لذلك نجد فيهم غلظة كما قال القرآن: (... وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً...). فهم المؤمنون والصحابة ونحن الكفار والمشركون، ولا ينبغي أن تأخذهم بنا رحمة ولا رأفة في دين الله، وهم الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...). النص القرآني أصبح عندهم السيناريو، فقادتهم هم محمد رسول الله. والإرهابيون الآخرون هم الذين معه، ونحن الكفار، لذلك هم أشداء علينا ورحماء بينهم وفي غاية الرقة مع بعضهم، بينما في غاية الغلظة معنا نحن كفار مكة.

الدراما الدينية أصبحت ألعاب أطفال لا تشد الانتباه بعد أن سيطرت دراما الإرهاب ونجومه على الواقع العربي المرير والكئيب، فصار الإرهاب سلوكاً عربياً دائماً في كل لحظة. إرهاب فكري وإرهاب إعلامي وإرهاب رياضي وإرهاب ثقافي وإرهاب ديني.. بل إرهاب شعبي وذلك هو الأخطر. زمان كنا نتحدث عن إرهاب الدولة وقمع السلطة والشرطة. الآن أصبح الإرهاب شعبياً وطائفياً ومذهبياً أدى إلى التراجع المخيف للدول الوطنية وسلطاتها. وصارت الدول الوطنية مجرد مشاهد أو متابع بلا حيلة ولا حول ولا قوة لدراما الإرهاب الذي يمارسه الناس على الشاشات والمواقع وعلى الأرض. والجماعات الإرهابية اقتنعت تماماً بأنها فيلق المؤمنين ضد فيلقنا نحن الكفار. وهناك ملايين العرب الذين صاروا على قناعة بهذه القسمة الضيزى وأصبحوا على يقين بأن الإرهابيين مؤمنون يواجهون كفاراً ومنافقين ومشركين. لذلك أصبح القول القديم بأن رمضان ينبغي أن يكون شهراً لحقن الدماء المسلمة ووقف القتال والتسامح لا قيمة له، لأن الإرهابيين الذين تلبستهم أدوار الأنبياء والصحابة والمجاهدين لا يرون دماءنا دماء مسلمين ينبغي حقنها. فهم يواجهوننا نحن الكفار، لذلك ينبغي أن يوغلوا في قتلنا أكثر خلال شهر رمضان ليتقربوا بدمائنا إلى الله عز وجل. فالجهاد ضد الكفار في رمضان أولى وثوابه مضاعف، بل إن قتلنا في الأشهر الحرم وفي المسجد الحرام شرعي لأننا كفار ومشركون. وقد حكموا علينا جميعاً بالردة والكفر علانية، وليس أمامنا سوى التوبة أو دفع الجزية أو القتل حرقاً وذبحاً. طبقاً للسيناريو الموضوع لهم، وكثيرون اقتنعوا الآن بأن «داعش» وأضرابه نصرهم الله بالرعب مسيرة شهر، وأن الله معهم لذلك عجز العالم كله عن دحرهم والقضاء عليهم. وكلما تداعت عليهم جيوش الكفر والردة والنفاق ازدادوا قوة. هذا هو رأي القطيع في نجوم دراما الإرهاب الذين كلما طالت الحرب ضدهم ازدادوا نجومية وترسخ الإعجاب بهم وبجلدهم وجهادهم ضدنا نحن الكفار والمشركين. وكلما خبت النار زادوها سعيراً، فدراما الإرهاب عرض مستمر، والقادم أدهى وأمر!

محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا