• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الوطن يسكن الأرواح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 24 يونيو 2015

وسافرت خلفك والريح تطارد طيف خيولي.. ركبت لك أجنحة الحنين وتمترست بذاكرتي من عبثية الأشواق وجدلية الوطن المخثر بدماء تسيل عبثاً لتطوي أرفف التاريخ سجلاً سافراً لبلاد ترفل في عز وميراث من الخير الذي لا ينضب، هنا مطار الجنينة، حيث كتب على المدخل «مطار الشهيدة صبيرة الدولي» هنيهة توقفت يا ساندا، حتى المطارات في بلادي تمهر بواباتها بأسماء المغادرين في اللعبة مطلع التسعينية.. يا إلهي.. مضيت مثقل الخطى روحي ترفرف في السماء الزرقاء وتعانق الغيوم المتناثرة في فرح وكآبة في كيان واحد، لا أبالي تنقلني عربة من طراز قديم لتمخر بي طريقاً أسفلتياً حديث التخطيط تمخض بعد قتال عنيف وطوفان من الدماء.. اتفاقية الدوحة ووضع السلاح والارتكان إلى منطق السلم، تلك النغمة الشاذة التي انطلت ألحانها النشاز على الكثيرين من ذوى العقول القاصرة، أستدير نصف استدارة تتبدى البيوت قزمية والناس يسيرون كالموتى رغم ما يعترى الجو من صخب بالمرح.

مجموعة من الناس تعترك على لا شيء والشرطة عاجزة عن فعل أي شيء فهنا الجميع يمتلك «كلاشنكوف» وعدداً لا يحصى من الذخيرة، لا تحتك بالبارود يا أيها النسر كن بعيداً.. أقرأ على لافتة «محلية أردمتا» هواء خفيفا يغشى أنفاسي أتشبث بالهواء عساي أنجو من لوثة الجنون رغم الخير الذي افترش على طول الطريق «تفاح، مانجو، برتقال، جوافة، يوسفي، والكثير مما لم أعرفه» خير تندى به الأرض والتلال التي تسمق بضعة أميال ليتساوى مناخها بمناخ «الكيب تاون»، أبدى حديثاً استقصائياً مع السائق الذي تعلو نبرته كلما تحدث بالهاتف قال لي: هذا هو السوق الأسود لما سمي السواد؟ حار جواباً المسكين استرسلت في خاطرة الوطن كل ما فيك رمزية للظلام!! ماذا دهاك أيها العظيم!! الطريق من الجنينة «دار أندوكة» إلى زالنجي، حيث مقصدي يعج بالكثير من القرى (هبيلة - مجمري - سيسي - معسكر كريدنق للنازحين واللاجئين في أوطانهم) وأرخبيل من الوديان على ذاكرة الأرض تمتد على بساط من أرواح البسطاء وادى كجا ووادي سوبارو، وكذلك بورتو أسماء كأنك تعيش بقلب أوروبا، حيث السين، وبحر البوران، وحين تجابهك سلسلة الجبال التي تحيط بقرية مورني.. أستذكر رحلتي إلى بلاد الأنوثة والثقافة وحبال الاستنارة، حيث وقفت ببهو البانتيون وتجولت بأروقة اللوفر، فشاهد معي روفائيل ومايكل أنجلو ودافنشي وهوجو وروسو شتوبريان.

سحر غرب السودان البديع، حيث مورني عروس الزهور الجبلية ومكجر ومندس تحف من صنع الرب البديع، الآن يا ساندا أعبر جسر بارى الجسور هنا يا ساندا تشبه جسور استانبول والأناضول في حقبة تركيا.

لكن يا ساندا بين الخرطوم ودارفور ما بين الجنة والنار، فمتى تصحو الضمائر السابلة في نومة متعمدة؟! ومتى تلهج الحناجر المطوية بنار الطغيان والظلم؟! متى يصرخ الشرفاء إن كان من شرفاء؟!! مدخل زالنجي.. مدينة يا ساندا تقع في قلب الجبال حتى لتكاد تظنها تغرق في الضباب الشفيف الذي يعتري أسنة الجبال العتية، حين وصلت إلى منتصف المدينة ونزلت من العربة «التيكو كما هتف صبي لاه» استقبلتني همهمات السماء وكأنها تمايز بين الأمكنة فلا تهطل إلا حين يغص المحجر بالدموع.

تذكرت فجأة إرتيريا حين استقبلت «حجي جابر» ابن الشتات والموزع بين سمارويت وجدة تذكرته يا ساندا والمطر الخفيف يستقبله على مدخل كمشتاتو وبين معزوفة اغترابه وأسى بلادي شقيقان التقيا على حد الضمير واللجوء، فالوطن يسكن الأرواح وإن عز بين الجنبات واستحال إلى غول يلتهم أحلامنا ويئد الخلود بأعيننا، ثم يا ساندا!!.. ثم بكيت وانقطع المطر.

محمد عيسى جقدول

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا