• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

على التماس

السحرة في ثقب الأوزون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 يوليو 2014

عزالدين ميهوبي

شعر الألمان بالخجل، أمام ما يجري، فلم يفرحوا كما يجب، وشعر البرازيليون بالإذلال لأنّهم لم يجدوا وجهة يولون إليها وجوههم المسودة، وبالتالي لم ولن يرقصوا السامبا بعد الذي حدث.. لقد كانت الصدمة عنيفة فانهار بنيان اللغة، وأصبح التعبير عما حدث مجرد لغو. قال سكولاري: «إنه أسوأ يوم في حياتي، بل في حياة العالم كله»، وأضاف: «لا تنسوا أنها أول هزيمة لفريقي في هذا المونديال»، ويا له من إنجاز، وقال ديفيد لويز: «سامحونا»، ومثله فعل لاعبون آخرون، بينما راح جوليو سيزار يضرب على صدره ويقول: «أنا السبب» ثم قال: «بعد الهدف الأول دخلنا في ثقب أسود.. انتهى كل شيء» انتهى حلم نيمار ومن ورائه الملايين الذين أرادوا اللقب السّادس على أرضهم، غير أن الألمان جاؤوا هم أيضاً من أجله، ومن أجل منح مستشارتهم ميركل هدية غالية في ذكرى عيد ميلادها الستين.. وبمناسبة مرور مائة عام على الحرب العالمية الأولى.

لقد نجحت الماكينات الألمانية في إبطال السحر البرازيلي، مستفيدة من الضغط العالي على السحرة، بطريقة لم يفهمها حتى خبراء الكرة العالميّة الذين لم ينجحوا في تفكيك شفرة مباراة غريبة، قضى فيها الحارس نوير ثلاثة أرباع الوقت في بطالة مُقنعة، ونجح فيها رفاقه في تسجيل خمسة أهداف في أقل من نصف ساعة، إذ توالت الهجمات أمام دهشة منتخب برازيلي «مسطول» تماماً.. فكلما أقدم الألمان على تسجيل هدف خرج البرازيليون من المباراة حتى شعر الجمهور أن كتيبة لوف تجري تدريباً تطبيقياً، بينما صار رفاق أوسكار خارج الأسوار، ولم تأت المعجزة التي انتظرها عشاق السامبا، إذ سقط كل شيء في الماء، ووقف روماريو وحده يرقص ويصرخ «ألم أقل لكم إن الفاسدين سيوصلون البرازيل إلى حافة الثورة»، وانفجر الشّارع الغاضب، منذراً بأحداث مؤلمة، وأن ما كان مؤجلاً إلى حين، بلغ منتهاه، وما على السيّدة روسيف إلا مواجهة الغضب الساطع..

لم يعرف البرازيليون في حياتهم إذلالاً كالذي عاشوه في بيلو أوريزونتي، مسقط رأس الرئيسة، ومقبرة الكبرياء البرازيلي.. وكانت قمة المهانة في أنّ الألمان ابتلعوا فرحتهم في الملعب ليفجروها في غرف الملابس، لأنهم أدركوا أن ما قاموا به كان كبيراً في حق أمة عظيمة تنام وتستيقظ على الجلد المنفوخ، لهذا تصرف لام ورفاقه بمنطق «ارحموا عزيز قوم ذلّ»، وأي عزيز هذا الذي ينهار كطود أشم، في يوم تنكّس فيه الأقدام لا الأعلام. ولم يكن أمام صحافة البرازيل وشارعها الغاضب إلا أن تطالب بمحاكمة المسؤولين عن زلزال قوته سبع درجات على سلم المانشافت بهزات ارتدادية عنيفة استمرت سبع دقائق.

وعلى الرغم من أن الداهية سكولاي حاول التخفيف من هول الكارثة بقوله: «إنها ليست نهاية العالم، لأن منتخب البرازيل شاب وقوته ستبرز في مونديال روسيا 2018 على النقيض من المنتخب الألماني العجوز».. إلا أن كلاماً كهذا يزيد من حنق البرازيليين عليه بعد أن جاءهم بلاعبين عاجزين تماماً بينما السّوق البرازيليّة غنيّة بالمواهب، فكيف تعجز أمة الكرة العجيبة عن إنجاب أحد عشر لاعباً يهدون وطنهم لقباً في بيته طالما انتظره وأراد أن يفرح به.. فلا حجة لسكولاري الذي نجح في خدش إنجازه التاريخي في كوريا واليابان.. ولكن الخروج المرّ هذه المرة، لا يمكن وصفه إلا بالمأساة الوطنية، لكون الكرة في البرازيل طقساً ثقافياً واجتماعياً راسخاً.

ومع هذا فإن بيليه يقول بثقة «السادسة ستكون في روسيا»، وقدمت الرئيسة روسيف اعتذارها للشعب البرازيلي، وقالت أيضا بثقة: «لن نسقط.. أيتها البرازيل قفي وقدمي الجواب»..ألم تكن الحرب سبباً في ثأر ألمانيا لتكون أكثر قوة.. فالبرازيل أيضاً ستستعيد عرشها الكروي قبل يمتد اليأس إلى أجيال لم تعرف معنى الهزيمة.

mihoubimail@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا