• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

سبعة في الدار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 يوليو 2014

بدر الدين الإدريسي

أكثر من الجنون وأكبر من الدهشة وأقوى من أي إعصار يقتلع الصخر والشجر، وأعتى من الزلازل، التي إن مرت على قرية دمرتها، وما تركت غير الغبار والأنقاض والجثث هي الهزيمة التي لحقت بالمنتخب البرازيلي عند مواجهته لألمانيا في الدور نصف النهائي لمونديال، بدأ حلما في بلاد السحرة، وانتهى كابوساً يخنق الأوردة، ويسكن مثل وصمة عار الذاكرة.

كنت أشعر بمخاض أسطورة تولد في تجاويف هذا المونديال، كنت أظنها في لحظة ستولد للبرازيليين الجيل الذهبي الذي سيمنح «السيليساو» اللقب العالمي الأول على أرضهم بعد فاجعة 1950 وكنت أخالها قبساً سيطل على كأس العالم في صورة مفاجأة مدوية، وما كان الإحساس ولا الحدس يتوقع أن يأتي الألمان وهم حفدة الفلاسفة والمفكرين الذين أحدثوا ثورات في الفكر الإنساني وهذبوا المنظومات الفلسفية، بهذه الملحمة الكروية الرائعة والمثيرة التي أعادت كتابة التاريخ، فأن يفوز الألمان بالسباعية على أرض برازيلية، وأمام منتخب برازيلي، ما تجرأ أحد على مر العصور بأن يبيع جلده بأبخس الأثمان، وأن يتلاعب بكبريائه وعنفوانه وأنفته، معناه أننا أمام فعل ثوري يعيد رسم الحدود الجغرافية في كرة القدم.

تكهنت في زاوية أمس الأول، أن يكون المنتخب البرازيلي في حالة عطب إبداعي بغياب نجمه نيمار، وتوقعت أن يكون فاقداً لأحد أقوى أقنعته الدفاعية الواقية مع الغياب الاضطراري لعميده تياجو سيلفا، وحدست أن يعاني فيليبو سكولاري عند تعديل المنظومة بغياب قائد الجوقة، إلا أنني للأمانة لم أتوقع أن يقرر المنتخب البرازيلي الانتحار تكتيكياً وبدنياً، باقتراض نهج غريب عليه، لا يتطابق مع ممكناته البشرية، لمقارعة أسلوب واقعي يتسم به منتخب ألماني، عرف لاعبوه أن المعركة الضارية تحتاج إلى جرعات زائدة من الجرأة ورباطة الجأش، فأتوا بالجرأة كلها.

ولأكون أميناً معكم فإن من جلسوا معي نتفرج على المباراة، أذهلهم ما أتيت به من ردات فعل قمة في الجنون والمنتخب الألماني يمسك برقبة المنتخب البرازيلي أمام بني وطنه، ويريه من الجحيم ألواناً، ومن العار فصولاً لا يمكن أن تنسى أو تنذمل، كان يواكيم لوف يلاعب سكولاري تكتيكياً بطريقة علنية من دون ضرب تحت الحزام، ليكشف عن محدوديته في التوظيف وفي بناء المتغيرات، وعلى أرضية الملعب سيق لاعبو البرازيل إلى المجزرة لتقتلع الرؤوس وتسحب الفروة من العظم ويكون الذبح العلني للأحلام، وما آلمني إلا الدموع التي ذرفتها عيون الأطفال والنساء، فأكثر وأقسى وألعن من الهزيمة كان هناك إذلال وقهر وإجهاز على الكبرياء بلا رحمة.

وتذكرت أن دونجا عميد آخر الأجيال المحترمة في تاريخ الكرة البرازيلية قال: إن «السيليساو» الذي يحمل في هذا المونديال أمانة تحقيق اللقب للمرة الأولى على الأرض البرازيلية هو الأسوأ على الإطلاق منذ جيل مونديال 1994، قال هذا بمنتهى الشجاعة والمنتخب البرازيلي يفوز، ويتقدم مترنحاً إلى المربع الذهبي، قاله غير آبه بمن سيخونه ولا عابئ أن يتهمه الآخرون بإضعاف الهمم في عز المعركة، وما قاله أقامت الماكينات الدليل عليه وهي تفرقع بالونا سحرياً منفوخاً بالوهم وتعيد المنتخب البرازيلي إلى حجمه الطبيعي وتقهر كل ما كان يمثل له أسلحة بها يحلق إلى عنان الانتصارات.

ربما كانت الصفعة الألمانية هي الأعنف في تاريخ الأدوار نصف النهائية لكأس العالم، ولكن المؤكد أنها صفعة وجهت إلى من «أوربوا» الكرة البرازيلية، إلى من حكموا عليها بأن تكون غرابا أراد تقليد مشية الحمامة، فما قلدها وما تذكر مشيته.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا