• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

(الكتاتيب) أول مؤسسة تربوية استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الإماراتي

عبدالله الطابور يتقصى أثر المطوع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 يوليو 2014

ساسي جبيل (أبوظبي)

شكل المطوع أحد أهم المؤسسين للناشئة في حياتهم، وهو أول مدرسة وبيئة تربوية بعد الأسرة تزود الطفل بالآداب والعلوم والمعارف، وحظي التعليم التقليدي باهتمام كبير من قبل الدارسين والباحثين في الشأن المعرفي والتربوي.

ومن منطلق حرص نادي تراث الإمارات ومركز زايد للتراث والتاريخ على تعريف الأجيال بالدور الطليعي الذي تلعبه (الكتاتيب) كمؤسسة تربوية تقليدية استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الإماراتي على امتداد عقود من الزمن، صدر هذا الكتاب الذي ألفه الباحث الإماراتي عبدالله علي الطابور ونقحه في أكثر من طبعة والممهور بـ: «التعليم التقليدي.. المطوع في دولة الإمارات العربية المتحدة» يتناول وظيفة المطوع عبر التاريخ، من خلال تلقين الدروس الدينية والعلوم المختلفة والآداب المتعددة وهو ما يسمى بتعليم الكتاتيب الذي يمارسه المطوعون في البيوت والزوايا والغرف الملحقة بالمساجد والتعليم الديني والحلقات العلمية الفقهية وغيرها.

وهذا الكتاب مهد له صاحبه بتعريف للمطوع ومجالات عمله المختلفة متناولا الكتاتيب عبر الزمن منذ العصر الجاهلي، إلا أنها كانت آنذاك غير ذائعة الصيت، معروفة لدى كافة الناس، إذ كانت ترتكز أساسا على تعليم الكتابة في مكة ثم كان للمطوع في العصر الإسلامي حضوره في المنظومة التربوية كلية متقدمة تم الاعتماد عليها لتعليم حروف اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، لذلك كانت الكتاتيب أول المدارس التي فتحها المسلمون لتربية الناشئة.

وعرج الباحث في مقدمته إلى التعليم التقليدي عبر الحقب المختلفة، مؤكدا أنه يختلف من منطقة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، وركز الطابور على التعليم التقليدي في الإمارات موضوع دراسته مستعرضا الحركة التعليمية التي اعتمدت في بداياتها على المطوع، وهو ما يتناسب مع بساطة الحياة وبدائيتها، إذ كانت الحياة الاقتصادية والاجتماعية قبل ظهور النفط تتسم بالفقر ومحدودية دخل الفرد الذي لم يكن يتجاوز الخمسين دولاراً في السنة، وهو ما جعل الكتاتيب تنتشر في المجتمع الإماراتي واحتل المطوع مكانة مرموقة بين قومه ونال احترام وتقدير الشيوخ ورؤساء القبائل، إذ شهدت سواحل الإمارات نوعين من التجمع البشري: الأول على طول السهل الساحلي المطل على مياه الخليج العربي، والثاني وسط الصحراء وفي واحات النخيل. وعند وجود هذه التجمعات نجد التعليم الذي يقوم على كاهل المطوع أو المطوعة.

وتعرض الطابور في كتابه إلى طريقة التعليم عند المطوع والمصطلحات والألفاظ التي يستعملها ومنزلة المطوع ومكانته الاجتماعية ومواعيد وأوقات الدراسة والمقررات وطرق العقاب والأساليب التربوية المعتمدة وما يتعلق به من مختلف الجوانب، مستعرضا كل مدارس الطوع في مختلف مناطق الإمارات وصولا إلى المدارس شبه النظامية.

وفي هذا الإطار ذكر الطابور عدداً من رواد النهضة الإماراتيين الذين تخرجوا من مدارس الإصلاح الأولى كالتيمية المحمودية والأحمدية والسالمية والسعادة وغيرها من المدارس التي شهدت بدايات التعليم شبه النظامي في الإمارات، كما إن بعض النخبويين تابعوا دراساتهم خارج الدولة، إذ رحل البعض إلى قطر ودرس بالمدرسة الأثرية، منهم من ذهب إلى فارس والجزر العربية التي كانت تزخر بالعلم والعلماء والفقهاء والأدباء، وهناك من ذهب إلى الهند ودرس عند أهل الحديث، ومنهم من درس في الموصل وبغداد وآخرون انتشروا في نجد والأحساء ومكة المكرمة طلبا للعلم وبحثا عن العلوم النافعة، وحبا في الجلوس عند عالم جليل سمعوا عنه فهانت عليهم القفار وقصرت أمامهم الأراضي ولو بعدت، ونأت عن ديارهم.

وقد سخّر أوائل علماء النخبة في الإمارات طاقاتهم وضحوا بأوقاتهم من أجل العلم الذي كان هاجسهم وغاية مناهم في هذه الدنيا، فقد تأسست على يد النخبة من رواد النهضة الأوائل الملامح الحضارية الأولى في مجتمع كانت من سماته العامة الأمية والجهل وعدم الاعتناء الكبير بالعلوم، بل كان أكبر ما يشغل هذا المجتمع الكسب والبحث عن الرزق في البحار وبين الأمواج العاتية وفي الأرض التي يزرعونها لكي يأكلوا ويؤمنوا لقمة العيش لهم ولأبنائهم ولأسرهم.

كان الهدف الأساسي من مؤسسة الكتاتيب هو تنمية القيم الإسلامية في نفوس الناشئة، والعمل على بناء مجتمع يسوده الإيثار، وتختفي الأثرة بين أفراده، وشكل المطوع العمود الفقري والأساس لهذا التعليم الذي تضاءل حضوره اليوم أمام المؤسسات التربوية النظامية الحديثة والمتطورة رغم أن بعض العائلات تصر على العودة إلى هذه الجذور وهذه الطرق التقليدية وخصوصا في المراحل المتقدمة لأبنائها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا