• السبت 23 ربيع الآخر 1438هـ - 21 يناير 2017م

أيام معدودات

الصوم مدرسة الإخلاص

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 24 يونيو 2015

أحمد محمد (القاهرة)

الصيام من أعظم العبادات التي تربي في النفوس حسن القصد لله، والتوجه الكامل إليه، وتصحيح النية وإخلاصها له، والإخلاص روح الأعمال وجوهرها، والصوم هو العبادة الوحيدة التي خصت بالإخلاص، وهو تجرد من الدنيا، وأجمع علماء التفسير على أن الصابرين هم الصائمون، وقد وعدهم الله بأجر بغير حساب (... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، «سورة الزمر: الآية 10»، فالإخلاص تاج الأعمال، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، «سورة البينة: الآية 5»، والأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما بما في القلوب.

والصوم يربينا على الإخلاص، فهو عبادة خفية، وسر بين العبد وربه، ولهذا قال العلماء، الصوم لا يدخله الرياء بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها، ولا ريب أن الإخلاص من أعظم وأحمد الخصال، يأتي الصيام فينميه فينا.

وأول ما يستفيده المسلم من صيام رمضان هو الإخلاص لله، وهو حجر الزاوية والشرط الأساس لتقبل أعماله، فالله تبارك وتعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ)، فالله جل وعلا أغنى الشركاء عن الشرك، والصيام مدرسة للإخلاص ومراقبة الله في الصغيرة والكبيرة، عبادة ليس فيها تظاهر، لا يعلمها من العبد إلا الله.

قال القرطبي، لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه إلى نفسه، وقال ابن الجوزي، جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم، وقال ابن قدامة، إن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى الله عز وجل، وفضل الصوم لمعنيين، أحدهما أنه سر وعمل باطن لا يراه الخلق ولا يدخله رياء، والثاني أنه قهر لعدو الله.

والإخلاص كلمة التوحيد التي تتفرع منها فروع الخير كلها، ولفظ «الإخلاص» في اللغة، التنقية والتهذيب، وفي الاصطلاح توحيد الله، وتنقية القلب من حظوظ النفس، قال القشيري، الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون شيء آخر.

وقال ذو النون المصري، ثلاث من علامات الإخلاص، استواء المدح والذم، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة، وقيل، لا يعرف الرياء إلا مخلص، والإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن، والإغماض عن رؤية الأعمال، وقال الجنيد، الإخلاص سر بين الله والعبد، ولا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.

والإخلاص ينمي الإيمان وينقي العقيدة ويزكي الوجدان، ويهذب الملكات الفكرية والنفسية والعلاقات الاجتماعية، وهذا من معاني قول الله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ...)، «سورة الأنعام: الآيتين 162 - 163»، ذلك أن أعمال وأقوال المخلصين كلها لله، وعطاءهم ومنعهم لله، وحبهم وبغضه، فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجهه وحده لا يريدون من الناس جزاء ولا شكورا.

وجاء في تفسير المنار، إذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في سائر الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه مدة شهر كامل ملاحظا عند عروض كل رغبة له من أكل وشراب بارد وفاكهة وغير ذلك، أنه لولا إطلاع الله عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق إليها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا