• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

بعد أن أصبح العالم يزخر بأكبر عدد من اللاجئين منذ عام 1945 وخروج نحو 60 مليون شخص من ديارهم، فإن الجدران ليست حلاً.

أوروبا: أسوار ومهاجرون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 23 يونيو 2015

استعداد المجر لبناء سياج بارتفاع 13 قدماً على امتداد الحدود الصربية ليس تغريداً خارج السرب. فمثل هذه الجدران تكاثرت ولم تتقلص منذ نهاية الحرب الباردة التي سجلت نهايتها رسمياً مع تحطيم جدار برلين عام 1989. وكان المجريون أول من اخترقوا الستار الحديدي عندما بدأوا في مايو من ذاك العام تحطيم جدار على امتداد 150 ميلاً يفصل بلادهم عن النمسا. فمن المثير للسخرية أن تبني المجر الآن حاجزاً حدودياً جديداً. والمجر ليست الأولى في دول الكتلة الشرقية السابقة في هذا. فقد رممت بلغاريا الجدار الذي كان يفصلها ذات يوم عن تركيا الرأسمالية.

وفي كتاب «الحدود والأسوار والجدران» الصادر عام 2014، ذكرت المؤلفة «اليزابيث فاليت» أن عدد الجدران الحدودية التي بنيت بين عامي 1945 و1991 بلغ 19 جداراً. وبعد انتهاء الحرب الباردة بقي منها 12 جداراً معظمها خارج أوروبا. ومازالت هناك أسوار على سبيل المثال بين الهند وباكستان والهند وبنجلاديش وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. لكن بينما تمتعت أوروبا بفترة سعيدة من التقارب بعد الحرب الباردة لم يكن بقية العالم سعيداً بمثل هذا القدر. فقد أقيم 14 جداراً آخر بين عامي 1991 و2001. ووصل حاليا عدد الجدران ثلاثة أمثال ما كان عليه عام 1991.

وكتبت فاليت تقول «الغرض من الجدران الجديدة لم يكن تحويل خط مواجهة إلى حدود بحكم واقع الحال بقدر ما كان رداً على تهديدين تمثلا في المهاجرين والإرهابيين (الاثنان يتداخلان أو يمتزجان في خطاب مؤيد لإقامة الجدران). والنتيجة تمثلت في إقامة جدار العولمة حول العالم الذي أصبح من المستحيل فعلياً أمام المهاجرين من الجنوب اختراقه». وهذا ليس صحيحا بشكل صارم، فكل من الجدران الافتراضية مثل التأشيرات وعمليات الترحيل وإجراءات الإهانة الأخرى أو الجدران المادية ثبت أنها عراقيل أمام المهاجرين المحتملين لكنها قابلة للاختراق. ولك أن تشاهد احتفال المهاجرين الأفارقة بعد تسلقهم السياج الهائل في جيب مليلية الإسباني في شمال أفريقيا، وعبور مخرج الأفلام الوثائقية «جيمس أوكيفي» الحدود من المكسيك إلى الولايات المتحدة، وهو يتنكر في شكل أسامة بن لادن رغم مئات الأميال من الأسيجة التي أقامتها الإدارة الأميرية على امتداد خط الحدود. ولتتذكروا الأنفاق التي حفرها نشطاء غزة تحت الجدار الخرساني الذي أقامته إسرائيل ليبقيهم بعيدا.

والمهاجرون يميلون إلى سلوك الطرق التي يعتبرونها أكثر ترحيباً. وبناء جدران على الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا في السنوات الماضية أدى على سبيل المثال إلى زيادة عدد اللاجئين الفارين من مناطق الحرب الذين يحاولون عبور البحر المتوسط ليصلوا إلى إيطاليا. وجدار المجر الجديد يراد به إبعاد هؤلاء اللاجئين ومعظمهم من سوريا. وهم ينتقلون من تركيا إلى بلغاريا واليونان ويتحدون هذه الأسوار ويعبرون بالقوارب من ساحل تركيا إلى الجزر اليونانية. ثم يستقلون مركبة إذا كان بمقدروهم الدفع للمهربين أو يسيرون على الأقدام عبر مقدونيا وصربيا للوصول إلى وسط أوروبا. لكن سيواجههم سور آخر على الحدود المجرية.

وأعلنت الحكومة المجرية أنها تستقبل عدداً غير متناسب من المهاجرين. وتقدر أن نحو 130 ألف مهاجر بلا وثائق سيدخلون البلاد هذا العام. وبالنسبة لبلد عدد سكانه عشرة ملايين نسمة فهذا يمثل عبئاً كبيراً حقاً إذا لم ينتقل اللاجئون كما يفعلون في الغالب إلى ألمانيا. وألمانيا هذه يعارض 61 في المئة من سكانها الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي، لكن تنتشر عبارة «أهلاً بالمهاجرين» في شوارعها كما خرج عشرات السكان يحتجون على ترحيل المهاجرين.

وهذه الأقلية التي تعبر عن آرائها تفهم أن الجدران ليست حلاً بعد أن أصبح العالم يزخر بأكبر عدد من اللاجئين منذ عام 1945 وخروج نحو 60 مليون شخص من ديارهم معظمهم بسبب صراعات مسلحة. والشعوب في الدول الشيوعية السابقة- وبعضهم يعارض خطة أوروبية للعمل بنظام حصص من اللاجئين- يجب أن يكونوا أول من يدرك هذا. فقد أقام حكامهم السابقون جدراناً لمنعهم من السعي وراء الفرص لكن الشعوب هدمت الجدران في نهاية المطاف. وأوروبا الغربية التي كانوا يطمحون في الانضمام إليها رحبت بهم رغم أنه كان بمقدورها أن تعاملهم كما يعاملون اللاجئين السوريين. المطلوب اليوم ليس قلعة أفضل بل خطة أفضل.

ليونيد بيرشيدسكي *

* كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا